فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 3028

لقد جعل الله رسوله صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة للمسلمين في كل شيء، إلا ما نص على اختصاصه به، ومن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا} [الأحزاب: 21] ، وقال تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث …} [الأعراف: 157] .

وقال في ولاة أمور المقتدين به صلى الله عليه وسلم: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} [الحج: 41] .

وقد شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم لولاة الأمور أن يقوموا في رعاياهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السفر والحضر والمسجد والمنزل والشارع والسوق وعلى كل حال من الأحوال لما يترتب على ذلك من مطاردة المنكر بكل أنواعه في كل مكان حتى لا يجد له مأوى في المجتمع الإسلامي يستقر فيه.

فمن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في المسجد ما رواه جابر رضي الله عنه أن رجلًا مر في المسجد بأسهم قد أبدى نصولها فأمر أن يأخذ بنصولها لا يخدش مسلمًا، وفي حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا مر أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ومعه نبل فليمسك على نصالها … أن يصيل أحدًا من المسلمين منها شيء ) ) [البخاري (8/90) ] .

ومن أمره صلى الله عليه وسلم بالمعروف ونهيه عن المنكر ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللًا، فقال: (( ما هذا يا صاحب الطعام؟ ) )قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: (( أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس منا ) ) [مسلم: (1/99) ] .

ومن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في السفر وعلى مرأى من جموع كبيرة من البشر في وقت عبادة من أعظم العبادات ما رواه جابر رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( استنصت الناس ) )ثم قال: (( لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ) ) [البخاري (8/91) ] .

ومن ذلك قصة الفضل بن عباس الذي كان راكبًا خلفه صلى الله عليه وسلم في هذه الحجة، فمرت نساء يسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل ليحول بينه وبين النظر إلى النساء، فحول الفضل وجهه ينظر من الشق الآخر فحول الرسول صلى الله عليه وسلم يده من الشق الآخر ليحول بينه وبين النظر إليهن [راجع صحيح مسلم (2/891) ] .

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع لأولياء أمور المسلمين منهاجًا يسيرون عليه، وهو أن يبذلوا وسعهم في اتخاذ الأسباب التي تحول بين الشباب ووصوله إلى معصية الله، حتى لو اقتضى الأمر أن يقوم ولي الأمر بنفسه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو قارنا بين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعه وبين ما يحصل اليوم في أكثر الشعوب الإسلامية من منكرات يسمح بها ولاة أمور المسلمين إما صراحة وإما ضمانًا في الأسواق والنوادي والمسارح وأجهزة الإعلام من إذاعة وتلفاز وفيديو وجريدة ومجلة وغيرها، حتى أن التلفاز يعرض ما هو منكر ويدعوا إلى المنكر في كل بيت، فيرى الشاب مغازلة الرجال للنساء ومنا هو أعظم ويرى عرض أفلام تدعوا إلى الجرائم الخلقية والجنائية ومن ذلك تناول المسكرات والمخدرات، وهذه الأخيرة يقال: إنها تعرض للتنفير من عواقبها ولكن لو تتبع المسئولون فقراتها بدقة لرأوا أنها تدعوا إلى العكس في كثير من الأحيان، إذ يكون الفوز في المسلسلة لبائعي المخدرات ومروجيها حيث يصبحوا أغنياء وإن كان فيها ضحايا من غيرهم، وهل يأمن ولاة الأمور من أن يتفق الممثلون اتفاقات سرية مع تجار المخدرات لتكون المسلسلات في حقيقة الأمر من وسائل ترويج المخدرات؟

قارن أيها العاقل بين تغطية الرسول صلى الله عليه وسلم وجه الفضل بن العباس من أن ينظر إلى ما حرم الله عليه وبين سماح كثير من ولاة الأمور لشاشة التلفاز أن يعرض فيها هذا المنكر وغيرها على الأسر وفيهم السباب والشابات، ثم نرى بعد ذلك الاستنجاد بالإسلام لوقاية الشباب من بعض المنكرات أترى هذا منطقًا مستقيمًا أم هو مكب على وجهه؟

إن المنكرات يجر بعضها إلى بعض، فالخمر تدعوا إلى الزنا والاعتداء على الأنفس والأموال، والزنا يدعوا إلى غيره، والواجب على ولاة الأمور أن يتخذوا كل الوسائل المشروعة لمحاربة كل الموبقات ليتطهر المجتمع من أرجاسها.

وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إن من خصائص الأمة الأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر، لكل أحد من البشر [كتاب الاستقامة (2/200-203) ] .

فالمعصية التي تتمكن من الإنسان تجره إلى غيرها، والإنسان الذي يصر على معصية ينقلها لغيره، وإقبال النفوس على المعاصي أكثر من إقبالها على الطاعات وهذا يوجب الاستمرار واليقظة من ولاة الأمور لمتابعة المنكران ومطاردتها وكف الناس عنها بكل الوسائل المشروعة والمتاحة.

الفرع الثاني: قيام المجتمع كله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقد أوجب الله تعالى على كل فرد من أفراد المسلمين أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، كما ورد في الحديث: (( من رآى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) ) [مسلم (1/69) ] .

ولفظه: (من) تفيد العموم فلا يخرج أي فرد من أفراد المسلمين من هذا العموم ولكن لما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية التي إذا قام بها أحد قيامًا كافيًا سقط عن الباقين فإن الفرد إذا رأى منكرًا ورأى من يغيره فقد سقط عنه، لأن الهدف هو إزالة المنكر، لكن لا نخرج من هذا العموم أي مسلم فيما يتعلق ببغض المنكر بالقلب فالذي لا يبغض المنكر آثم ولو لم يتعاطاه هو أو أنكره غيره فكفاه.

وأمر الرسول صلى اله عليه وسلم الأسرة أن تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينها كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: (( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع ) ) [أبو داود ، وهو في شرح السنة للبغوي (2/406) قال المحشي: وإسناده حسن] .

وأمر صلى الله عليه وسلم المجتمع بتغيير المنكر في الشارع والنادي والسوق، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إياكم والجلوس في الطرقات ) )فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: (( فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقه ) )قالوا: وما حق الطريق؟ قال: (( غض البصر وكف الأذى ورد السلام وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر ) ) [البخاري (3/103) ] .

وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدعون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى في أشد الحالات عليهم في مرض الموت، ومن أمثلة ذلك أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه وجع وجعًا فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق قال: أنا بريء مما برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة [مسلم (1/100) والصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة: التي تشق ثوبها عند المصيبة] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت