وينبني على قيام ولي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكذلك الأفراد والأسر وكل المجتمع أن يكون أهل المنكر في وحشة يعتبرون نشازًا في المجتمع لأنهم يرون المجتمع ينبذ منكرهم ولا يرضى به، فلا يفشوا المنكر وإنما يختفي الأفراد الذين يصرون عليه ولا يجاهرون به، فالمجتمع في هذه الحالة مجتمع نظيف يرفض الدنس ويحارب الأمراض ويقي نفسه من انتشارها، والعصاة يشعرون بأنهم مرضى يحتاجون إلى علاج ينالون به الشفاء حتى يعودوا إلى المجتمع أسوياء أصحاء مقبولين.
أما إذا تركت المعاصي تنتشر ولم يغير المنكر فإن تلك المعاصي تشب في المجتمع كما تشب النار في الهشيم وعندئذ يصعب إطفاء تلك النار الشاملة.
ولعل هذا يوضح لنا السبب في انتشار المسكرات والمخدرات بشكل مخيف في كثير من بلدان المسلمين التي أُقِرَّت فيها المنكرات الكثيرة وبدأ ولاة الأمور يشعرون بالخطر من المخدرات فأخذوا يحاولون محاربتها ولكن بأساليب شبيهة يقطع أغصان الأشجار المتدلية التي تزيدها قوة وجمالًا ولم يحاولوا اجتثاث الشجرة من أصلها وذلك بتربية الشعوب على الإيمان والعمل الصالح ونشر الأخلاق الفاضلة ومحاربة الأخلاق السيئة الفاسدة كلها.
إن الاستعانة بالإسلام عند الحاجة لمحاربة بعض المنكرات وعدم أخذه وتطبيقه كاملًا هي شبيهة باستنجاد دول الغرب بالإسلام في محاربة الشيوعية فقط في بعض بلدان المسلمين فهل يليق بالمسلمين أن يكونوا كذلك؟
الفصل السادس: جهل مناهج التعليم والإعلام محققة لمقاصد الإسلام:
التعليم يربي الأجيال ويصوغهم صياغة عقدية وفكرية وسلوكية واجتماعية وسياسية واقتصادية خاصة، بحيث يسير الجيل المتعلم حسب أسس معينة وأهداف محدد بوسائل معدة لتحقيق ذلك كله.
لهذا ترى كل دولة مهما كبرت أو صغرت تحاول أن تضع لمناهج تعليمها أهدافًا معينة وتوجد لتحقيق ذلك الوسائل الممكنة المؤدية إلى تحقيق تلك الأهداف من كتاب ومدرس ونشاط منهجي أو غير منهجي، وكذلك وسائل الإعلام فإنها كالتعليم في الهدف وإن اختلفت في الوسيلة والتأثير.
وفي هذا الفصل ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في مقاصد التعليم والإعلام في الشعوب الإسلامية.
إن مقاصد التعليم والإعلام يجب أن يتجه لتحقيقها التعليم والإعلام في بلاد المسلمين هي مقاصد الشريعة الإسلامية وعلى رأسها الضرورات الخمس السابقة: حفظ الدين، وحفظ النسل، وحفظ العقل، وحفظ المال بالطرق الشرعية التي وردت في الكتاب والسنة وما استنبطه منهما علماء المسلمين المجتهدين وحيث أنه سبق أن ذكرت خلاصة لهذه المقاصد في مباحث لكل واحد منها فإني أكتفي بذلك في هذا المبحث، ولكني أنبه على شيء مهم جدًا، وهو أن تحقيق هذه المقاصد والأهداف يحقق كل ما يصبو إليه المجتمع من الخير والرفاه والقوة والعزة فماذا يريد المجتمع بعد تحقيق حفظ دينه ونفسه وعقله ونسله وماله؟
إن هذا الحفظ لهذه الأمور لا يأتي إلا بتوجيه جهود الأمة كلها، كل في تخصصه إلى تحقيق الأسباب المؤدية إلى ذلك ومحاربة كل وسيلة أو سبب يؤدي إلى الاعتداء عليها أو الضرر بها أو إهمالها.
المبحث الثاني: إعداد الأكفاء.
فإذا وضع المنهج على أساس تحقيق تلك المقاصد فإنه يجب أن يعد الرجال الأكفاء الذي يضطلعون بتطبيق ذلك المنهج: الأكفاء الإداريون والفنيون والمعلمون والمؤلفون وغيرهم، بحيث يكونون مؤمنين بتلك المقاصد ووجوب تحقيقها عندهم علم وخبرة يستطيعون أن يحققوا بها تلك المقاصد، أمناء على مصالح الأمة، حتى يكونوا قادرين على صياغة الأجيال صياغة علمية وعملية تطبيقية.
المبحث الثالث: الصفاء الإعلامي.
إن أجهزة الإعلام في أكثر الشعوب الإسلامية تهدم أكثر مما تبني، لأن موادها الإعلامية لا تخلوا من الدعوة المباشرة إلى الاعتداء على تلك الأهداف العليا التي لا حياة للمسلمين بدونها، ليس معنى هذا إن الإسلام لا يذكر في تلك الأجهزة، بل يذكر الإسلام وتلقى فيها مواعظ وخطب وندوات ولكن المواد الإعلامية المشوقة التي يقبل عليها الأطفال والأسر كالمسلسلات والتمثيليات، غالبها يحمل المنكر والفساد الذي ينغرس في نفوس المستمعين والمشاهدين والقراء بدون شعور منهم، ومن ذلك المسلسلات الغرامية الداعرة المفضوحة والرقص الفاجر والغناء الداعي إلى الفواحش، والصور العارية وجرائم الخطف والسرقات والاعتداء على النفوس وتناول المحرمات كالخمر والتدخين، والاستهزاء بالقيم والأخلاق الفاضلة وأحكام الإسلام.
والواجب على ولاة أمور المسلمين أن يحرصوا على وقاية شعوبهم من هذه المنكرات الضارة التي حطمت الأفراد والأسر والمجتمعات وشغلتهم عن التفكير في مصالحهم ومعالي الأمور.
وقد استند المسؤولون عن أجهزة الإعلام في الشعوب الإسلامية في بث المنكرات التي قد يسمونها بغير أسمائها على زعم أن الشعوب ترغب في ذلك وأنهم يريدون إرضاء كل الأذواق، وكثيرًا ما نسمع المذيع وهو يقول بعد أن ينتهي برنامجه ولو كان فاسدًا:"لعلكم استمتعتم مهنا بهذا البرنامج ونال إعجابكم".
والحقيقة أنه لا يجوز لأولياء أمور المسلمين أن يستجيبوا لأهواء الناس في شعوبهم - قلوا أو كثروا - فيبيحوا لهم ما حرم الله، والمصلحة والمفسدة في الشريعة الإسلامية إنما يحددها الله وليس الحكام ولا الشعوب، إلا ما لم يرد فيه نص ولا قاعدة شرعية عامة فإنه يجتهم فيه أهل الاختصاص من علماء الشريعة وغيرهم كل في اختصاصه، وأما ما مضرته واضحة أو منفعته واضحة فيجب اجتناب المضرة وفعل المنفعة [مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/364) ] .
فالواجب على ولاة أمور المسلمين تصفية مناهج الإعلام ومواده من كل ما يؤثر على الأهداف العليا التي سبق بيانها بل الواجب أن يكون كل ما ينشر في أجهزة الإعلام محققًا لتلك الأهداف أو معينًا على تحقيقها حتى تنتشر الأخلاق الفاضلة وينغرس في نفوس الشباب حب الصلاح وبغض الفساد ومن ذلك تعاطي المسكرات والمخدرات.
الفصل السابع: الحكم بما أنزل الله
وفي هذا الفصل مبحثان:
المبحث الأول: وجوب اتخاذ الوسائل الواقية من ارتكاب المعاصي كلها:
سبق أن الإسلام يعتمد في تطبيقه على الإيمان به وأنه إذا غرس الإيمان في نفس الإنسان استجاب لأمر الله تعالى وأن هناك مقاصد يجب على المسلمين تحقيقها، وهذه المقاصد محاطة بأخلاق ثابتة لا يجوز التساهل فيها، وفساد تلك الأخلاق يؤدي إلى فساد المجتمع، لذلك تجد أن الجرائم والمعاصي التي فيها ضرر على المجتمع توجد وسائل كثيرة حض عليها الإسلام وأوجبها وهي واقية من الوقوع في تلك المعاصي، فمثلًا: جريمة الزنا، حرم الإسلام الوسائل التي تفضي إليها، كالخلوة بالأجنبية واختلاط الرجال والنساء الأجنبيات لغير حاجة، وإيجاب الحجاب على المرأة، وعدم جواز خضوعها في صوتها للأجنبي، ولزوم بيتها إلا لحاجة، والحض على الزواج والأمر بغض البصر … [راجع البخاري (6/117) ومسلم (2/891، 1018، 1019) ] .
وجريمة قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق شرع الله وسائل كثيرة تحول دون ذلك، كنهيه صلى الله عليه وسلم عن التساهل في حمل السلاح تساهلًا قد يؤي إلى إصابة الناس بدون قصد، والنهي عن الترويع، وإباحته للمسلم أن يدافع عن نفسه إذا أراد أحد الاعتداء عليه والنهي عن السباب، والبعد عن أسباب الخلاف [البخاري (8/38) ] .