إنه لا شك يوجد شباب منصرف إلى هذه الميادين النافعة التي تزكي النفوس وتطهرها ولكن هناك أعدادًا هائلة من الشباب ضائعة عندها من الفراغ مما يجعلها بأسوأ الأخلاق وتوافه الأمور، بل وأكثرها ضررًا عليهم وعلى مجتمعاتهم.
المبحث الثاني: صرف الشباب إلى ميادين الجهاد.
الأصل في الجهاد في سبيل الله أنه فرض كفاية إذا قامت به طائفة أو طوائف في الأرض كافية لنشر الإسلام ورفع رايته وإعزاز أهل الإسلام وإذلال أهل الكفر وحماية ديار الإسلام من غزو الأعداء، بل وغزو الأعداء في عقر دارهم بحسب ما شرعه الله ورسوله ودرج عليه السلف الصالح فإنه إذا قامت به تلك الطائفة أو الطوائف يسقط عن الباقين، وليس فرض عين بهذا الاعتبار.
ولكن إذا لم تقم به طائفة أو قامت به طائفة غير كافية لرفع راية الإسلام في الأرض فإنه يكون فيض عين على كل مسلم بهذا الاعتبار.
واليوم لا يشك عاقل من المسلمين أن الجهاد فرض عين على كل المسلمين، لأنه لا يوجد في الأرض طائفة قائمة بالجهاد كافية لغيرها، مع أن كثيرًا من أراضي المسلمين قد هجم عليها الأعداء واحتلوها وشردوا أهلها، ويتحفز أولئك لغيرها، وكذلك كثير من المسلمين مضطهدون في العالم: يعذبون ويشردون ويحرمون من حقوقهم، بل ويخرج كثير من أبنائهم من هذا الدين إلى دين النصارى والوثنيين والشيوعيين، ولست في حاجة إلى الإكثار من ضرب الأمثلة فالقدس وشعب فلسطين تحت اليهود وكل الدول النصرانية يؤيدونهم وكذلك الدول الشيوعية، والنصارى يهددون السوادن بالانقسام من سنوات طويلة، والحبشة شردت المسلمين في أرتيريا، والفلبين تقتل المسلمين وتشردهم والروس يحتلون أفغانستان ويهددون باكستان، وبعض الشعوب الإسلامية يحكمها من لا يؤمن بدين الإسلام، فهل يشك عاقل مسلم في كون الجهاد في سبيل الله اليوم فرض عين على كل المسلمين؟
وإذا كان الأمر كذلك فإن كثيرًا من الشباب الذي لم يجد من الأعمال مما يملأ بها أوقاته الفارغة إلا التشرد والفساد وتعاطي المحرمات كالمسكرات والمحرمات وارتكاب الفواحش وكثير من هذا الباب إذا لم يجد ما يشبع رغبته من الفساد حزم حقيبته وانطلق إلى بلدان الكفر في الشرق أو في الغرب أو إلى بعض الشعوب الإسلامية التي لا تختلف كثيرًا عن بلاد الكفر في إباحة حكامها المنكرات والمعاصي التي حرمها الله ورسوله ويأباها المؤمنون فيتناول ذلك الشباب كل ما تشتهيه نفسه ويعود إلى بلاده حاملًا معه جراثيم الأخلاق الفاسدة والأمراض المعدية وقد يعود وهو يحمل هدايا من المسكرات والمخدرات لأترابه ورفقائه أو عناوين في تلك البلدان، فيجر الشاب الواحد إلى ذلك الفساد شبانًا كثيرين … وهكذا.
ولو أن أولياء الأمور حببوا إليهم الجهاد في سبيل الله وجمعوهم في معسكرات لتدريبهم وإعدادهم ثم توزيعهم على وحدات الجيوش الإسلامية ليحموا أوطانهم من غزو الأعداء والاعتداء على بلدانهم، وبعث بعضهم إلى ميادين الجهاد في سبيل الله: الجهاد القائم فعلًا في أفغانستان وغيرها لينالوا شرف الشهادة أو النصر على الأعداء فإذا عادوا إلى أوطانهم عادوا وهم رجال يحبون الخير ويبغضون الشر يدعون زملاءهم وأترابهم إلى بذل المال النفس في سبيل الله بدلًا من أن يعودوا وأدمغتهم قد ملئت بالسكر والتخدير وقد يكتشف شرهم فتملأ بهم الشجون وترمل نساؤهم ويتبعهم في التشرد أبناؤهم.
إن الجهاد في سبيل الله من أعظم الوسائل التي تقرب الشباب من الوقوع في تعاطي المسكرات والمخدرات والتدخين وغيرها من المنكرات، ولا يمكن أبدًا أن يحل محله شيء من المشاغل الأخرى، كالنوادي الرياضية ونحوها، لأن الجهاد في سبيل الله يربط الشاب بربه وبالحياة الأبدية التي ينتظرها لو استشهد في سبيل الله، بخلاف غيره من الأعمال التي لا هدف لها إلا تحريك البدن.
وإذا كان ولاة الأمور في الشعوب الإسلامية وكذلك المجتمعات الإسلامية تريد الخير والسعادة لشبابها وتريد صرفهم عن المنكر والفساد فعليهم أن يصرفوا هذا الشباب إلى ميادين الجهاد في سبيل الله [وللمؤلف كتاب كبير في الجهاد بعنوان: الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته، وهو مطبوع في مجلدين] .
الفصل الخامس: إقامة قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع:
المسلمون بشر كغيرهم، وليسوا بمعصومين من الزلل إلا أن يكونوا أنبياء، فكون بعضهم تصدر منهم بعض المعاصي والمنكرات ليس غريبًا، وإنما الغريب أن تصدر من المسلم المعاصي ويصر عليها ويستمر في تعاطيها، وتشتد الغرابة أكثر عندما يصر المسلم على المعصية ثم لا يوجد من ينكرها، لأن المنكر عندئذ يستقر ويتفشى في الأمة فيصبح عادة يكثر بسببها الانحراف ويقتدي اللاحق بالسابق.
وفي هذا الفصل مبحثان:
المبحث الأول: في منزلة قاعدة الأمر بالمعروق والنهي عن المنكر في الإسلام.
لقد جعل القرآن الكريم والسنة النبوية استقرار الإيمان بأصوله وفروعه في المجتمع الإسلامي ملازمًا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما جعل الولاء الحق بين المسلمين معتمدًا على تآمرهم بالمعروف وتناهيهم عن المنكر، فقال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله، إن الله عزيز حكيم} [التوبة: 71] .
فإذا ما فقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجتمع، أصبح ولاء بعض هذا المجتمع قائمًا على النفاق، وليس على الإيمان، وكان العصيان شعارهم والفسق قائدهم إلى لعنة الله وأليم عقابه، بدلا من تلك الرحمة المبنية على الطاعة والولاء الصادق الذي لا ينفك عنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون، وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم} [التوبة: 67-68] ، وقال تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا ينتاهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} [المائدة: 78-79] .
وعندما يفقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع يكون شبيهًا بركاب سفينة اتخذوا بأيديهم أسباب غرقها بهم وهلاكهم في البحر، كما أن المجتمع الذي تقوم فيه قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون عكس ذلك، وهو أنه اتخذ كل الوسائل والأسباب المؤدية إلى سلامة سفينتهم وسلامتهم من الغرق، كما بين ذلك حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلها وبعضهم أسفلها، فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا ) ) [البخاري (3/111) ] .
المبحث الثاني: ما يترتب على قيام المجتمع الإسلامي بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو عدم قيامه بذلك.
وفي هذا المبحث فرعان:
الفرع الأول: قيام ولاة أمور المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.