وبناء على ذلك فإن من أراد أن يقر في الأرض الخير والصلاح ويحارب الشر والفساد فلا يد أن يقوم بتعليم الناس دينهم بالكتاب والسنة وأن يجتهد في تزكيتهم بتوجيههم إلى الأعمال الصالحة، وإذا لم يفعل ذلك فترك الناس يرتكسون في حمأة المعاصي والشهوات ويبتعدون عن التزكية والتطهير اللذين يغيران النفوس ويقودانها إلى الطاعة فلا ينتظر من الناس أن ينقادوا له إذا طلب منهم الابتعاد عن بعض المنكرات التي يرتكبونها، مثل الابتعاد عن المسكرات والمخدرات، فإنه قد ترك لهم الحبل على الغارب في الابتعاد عن طاعة الله والوقوع في معاصيه، وكثير من حكام الشعوب الإسلامية يبيحون الخمر فتباع وتشترى في بلادهم، بل إنها تتعاطى على مرأى ومسمع منهم وقد يتناولها بعض كبار رجال الدولة، ثم يطلبون من أفراد شعبهم أن يجتنبوا المخدرات وهذا غريب ومنطق معكوس، فالخمر أم الخبائث كما سماها بذلك سلفنا الصالح وعلى رأسهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد نهى الله تعالى عنها في كتابه وحرمها كما نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم وحرمها وعاقب عليها ولعن كل من اشترك في تحضيرها وشربها ومع ذلك يبيحها قانون بعض البلدان الإسلامية وتوضع للتجارة فيها لوائح وأنظمة وتجبى منها الضرائب.
فعلى ولاة الأمور أن يزكوا أنفسهم أولًا من إباحة ما حرم الله وعليهم أن يوجدوا الأسباب التي تزكي شعوبهم حتى يتركوا ما حرم الله بدافع إيماني، وإلا فليتحملوا مسئولية تقصيرهم، بل وتعمد كثير منهم الابتعاد عن تزكية الشعوب وتطهيرها.
وميادين التزكية التي يمكن أن يوجه إليها الشباب كثيرة جدًا، وأولها القيام بأصول الفرائض وفروعها، كإقامة الصلاة وصوم رمضان وإيتاء الزكاة وحج بيت الله الحرام وغيرها.
وقد دلت نصوص القرآن والسنة أن هذه الفرائض تزكي صاحبها وتوصله إلى التقوى وترك المنكرات.
ولأذكر أمثلة لهذه النصوص تدل على ما ذكر بدون تطويل فقد أثبت الله تعالى للمصلي الفلاح، لأنه تزكى بها وبغيرها، قال تعالى: {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: 14-15] وأكد تعالى أن الصلات تكف صاحبها - إذا أداها على وجهها- عن الفواحش والمنكرات، فقال تعالى: {أتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلات تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون} [العنكبوت: 45] .
فإذا كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولم يهتم بها ولاة الأمور فيحملوا الناس عليها بالترغيب والترهيب كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل، وكثير من المنتسبين إلى الإسلام لا يقيمون الصلاة فكيف نطلب منهم أن يتركوا بعض المنكرات.
وذكر سبحانه أن إخراج المسلم زكاة ماله يطهره الله به ويزكيه، كما قال تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم} [التوبة: 103] .
وأكثر الأغنياء في الشعوب الإسلامية لا يأخذ أولياء أمور المسلمين منهم زكاة أموالهم بل يخجلون أن يأخذوها باسمها ويأخذون منهم ضرائب وهم غير راضين بها، ولو أنهم أقاموا حكم الله فحثوا الناس على عبادة ربهم بإخراج الزكاة من أموالهم لكان في ذلك تطهير للأغنياء بأداء ركن كم أركان هذا الدين، وفرق كبير بين إخراج شيء عبادةً لله وإخراج ذلك الشيء أو أكثر منه ضريبة لا صلة له بالدين، ثم لو أخذت الزكاة وقسمت بين مستحقيها لاستغنى كثير من الفقراء عم ارتكاب المحرمات في سبيل الحصول على الرزق، من سرقة واختلاس وخيانة وتجارة في الخمور والمخدرات والدخان وغيرها.
وقال تعالى في تطهير الصيام للصائم: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 183] ، فالصيام يؤدي إلى تقوى الله، لما فيه من إلزام الإنسان نفسه طاعة ربه واجتناب المباحات التي أصبحت محرمة عليه بعد شروعه في الصيام امتثالًا لأمر الله … فكون الإنسان يدع ما تشتهيه نفسه من المباحات - في الأصل - والطيبات طاعة لربه، فإنه يكون أكثر بعدًا عما هو محرم عليه في الأصل، فإذا كان الصون يؤدي إلى هذا المعنى من التزكية التطهير فإن واجب ولاة أمور المسلمين حمل الناس عليه كغيره من فرائض العبادات، فإذا تركوا كثيرًا من المسلمين في شعوبهم يعصون الله جهارًا فلا يقومون بهذا الركن من أركان الإسلام الذي يؤدي إلى تقوى والتقوى هي امتثال أمر الله واجتناب نهيه فكيف يطلبون من هؤلاء الفسقة العصاة أن يقلعوا عن المخدرات، بل إن بعض من ولاهم الله قَدَرًا أمور المسلمين أفتى بجواز الفطر في رمضان من أجل التّقَوِّي على القيام بأعمال الدولة.
وقال تعالى عن الحج: {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب} [البقرة: 197] .
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه ) )، وقال: (( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) ) [البخاري بشرح فتح الباري (3/597) (4/20) ومسلم (2/983) ] .
وكثير من الشباب المسلم يحرم من أداء فريضة الحج الذي هو ركن من أركان الإسلام وله هذا الأثر العظيم على النفوس في تطهيرها وتزكيتها.
ومن الصعب جدًا أن يتتبع الباحث أثر بقية الواجبات والمندوبات وترك المحرمات والمكروهات في النفوس البشرية وتزكيتها وتطهيرها وكفها عن المعاصي عامة وهي غير خافية في واقع الناس ويعرف ذلك من احتاج من الناس إلى الرجل الأمين الذي لا يخونهم في أعراضهم وأموالهم، فإنهم يبحثون عن الرجل الملتزم بالدين وإن كانوا هم غير ملتزمين بذلك، والسبب هو علمهم أنه يبتعد عن ظلمهم وخيانتهم خوفًا من الله وليس خوفًا من مراقبتهم.
ومن ميادين التزكية المساجد وحلقات الذكر وتلاوة القرآن وتعليم مبادئ الإسلام، فإن الأثر الذي تحدثه المساجد في نفوس الناس قلما يوجد في ميدان آخر، اللهم إلا ميدان الجهاد في سبيل الله.
لذلك يجب على ولاه أمور المسلمين أن يعنوا بالمساجد، وبالترغيب في حضور صلاة الجماعة وحلقات الذكر وأن يوظفوا بها أئمة أكفاء قادرين على التزكية والتطهير والتعليم فإنه لا يمكن أخذ العلم النافع والعمل الصالح على الوجه الصحيح إلا عن طريق العلماء العاملين كما حصل ذلك للصحابة رضي الله عنهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وللتابعين مع الصحابة وهلم جر، ولهذا فإن العلماء العاملين يتحملون مسئولية عظيمة في تعليم الناس وتزكيتهم وتطهيرهم [راجع في هذا كلام نفيس للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي رحمه الله في كتابه القيم: الموافقات (1/91-95) بتحقيق محمد عبد الله دراز - وللمؤلف كتاب في وظيفة المسجد التربوية بعنوان: دور المسجد في التربية، وهو مطبوع] ، وحكام المسلمين يتحملون مسئولية عظيمة في عدم حمل العلماء على ذلك، فكيف إذا صدوهم عن القيام به؟.
ومن ميادين تزكية النفوس القيام بخدمة الضعفة والعجزة ومساعدة الأرامل والمحتاجين، وإنصاف المظلومين ومساعدة المنكوبين بالكوارث، كالأعاصير المدمرة والزلازل والبراكين والفيضانات والمجاعات وغيرها مما لا يأتي عليه الحصر والناس في كل مكان وزمان يحتاجون إلى هذه المساعدات فلو اهتم ولاة أمور المسلمين بتوجيه الشباب إلى القيام بهذه الأمور لكان ذلك أجدى عليهم من التسكع والتشرد والاشتغال بأمور تافهة لا تتحقق لهم مصالح لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل تجر عليه وعلى أمتهم الوبال والانحطاط.