والأصل في تحريم الأشياء في الشريعة الإسلامية كون المحرمات خبائث عند الله الذي يعلم خبثها سواء ظهر ذلك للناس أو له يظهر، كما قال تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} الآية [الأعراف: 157] .
ومن ضمن هذه الخبائث الخمر التي حرمها الله تعالى في كتابه وحرمها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته وأجمعت الأمة على تحريمها، كما قال ابن قدامة رحمه الله: (الخمر محرم بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} إلى قوله {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 90] .
وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( كل مسكر خمر، وكل خمر حرام ) )رواه أبو داود، والإمام أحمد [مسلم بلفظه (كل مسكر خمر وكل مسكر حرام) وأبو داود (4/85) والترمذي (4/290) وأحمد (2/16،31،105،134،137) ] ، وروي عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لعن الله الخمر وشاربها وساقيها، وبائعها ومبتاعها، وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه ) )رواه أبو داود [أبو داود (4/82) وراجع الترمذي (3/580) ] ، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الخمر بأخبار تبلغ بمجموعها رتبة التواتر، وأجمعت الأمة على تجريمها…) [المغني (5/158) ] .
وقال ابن حزم رحمه الله: (كل شيء أسكر كثيره أحد من الناس فالنطفة منه فما فوقها إلى أكثر المقادير خمر، حرام ملكه وبيعه وشربه واستعماله على كل أحد …) [المحلى (7/488) ] .
فإذا كان الله تعالى إنما حرم على الناس أم الخبائث، والخمر أم الخبائث كما نص على ذلك السلف وعلى رأسهم عثمان بن عفان رضي الله عنه وقد حرمت بالكتاب والسنة والإجماع وقد لعن الله كل من شارك في الحصول عليها ومعنى ذلك أن مبيحها - أي الذي يبيح للناس أن يبيعوها ويشتروها ويصدروها ويستوردوها يكون أولى باللعن من غيره بل إن الذي يحل شيئًا علم تحريمه من الدين بالضرورة لا يكون مسلمًا بل هو كافر، وهذا الصنف من الناس يكون محاربًا لله ولرسوله وللمؤمنين ويكوم واقفًا ضد الحكم بما أنزل الله، فلا يليق أن يلجأ إلى الإسلام ليستعين به في وقاية شعبه مما يرى هو فيه مضرة كالمخدرات، لأنه يستعين بشيء يرى الناس أنه عدو له، فلا يمكن أن يستجيبوا له ولكن الذي يحرم ما حرم الله ويحل ما أحل الله ويحكم بشرع الله له الحق أن يستعين بأحكام الإسلام على مطاردة المنكرات كلها والناس يصدقونه عندما يذكر الإسلام ويستدل به [ليس في هذا تثبيط لمن يحاربون الإسلام عن الاستفادة من تطبيق أحكامه وإنما المراد الحض على التطبيق الكامل لأحكام الإسلام] .
وعندئذ تكون صيانة الناس وعقولهم من المسكرات والمخدرات - وكذلك التدخين تكون بالطرق الآتية:
الأولى: منع صناعتها في داخل البلاد منعًا باتًا وإنزال العقوبة المناسبة بكل من تعاطى ذلك.
الثانية: منع إدخالها إلى البلاد عن طريق التجارة أو الاقتناء دون تفريق بين الناس، وإنزال العقوبة المناسبة بكل من حملها معه أو حاول إذخالها بأي وسيلة.
الثالثة: الحكم على من ضبط متعاطيها لها بما في شرع الله دون تعاون.
وقبل هذا كله تربية الشعب كله فردًا وأسرة ومجتمعًا على أنها من الخبائث التي حرم الله وأن الله يعاقب من ارتكبها كما مضى في الفصول والمباحث السابقة.
والإسلام وحده هو القادر على صيانة العقل من المفسدات المعنوية والمادية معًا ولا يستطيع أي دين أو أي قانون أن يصونه كما يصونه الإسلام وسيأتي ما يؤكد هذا في الفصل السابع إنشاء الله.
المبحث الخامس: حفظ المال.
المال مال الله استخلفه في عباده، فهو سبحانه المالك الحق، ولا يجوز لخلقه الذين استخلفهم فيه أن يحرزوه أو ينفقوه إلا من حيث هو مشروع.
قال تعالى: {آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} [الحديد: 7] .
قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية: (دليل على أن أصل الملك لله سبحانه وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي يرضي الله، فيثيبه على ذلك الجنة) إلى أن قال: (وقال الحسن:(مستخلفين فيه) بوراثتكم عمن كان قبلكم، وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة النواب والوكلاء، فاغتنموا الفرصة فيها بإقامة الحق قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم) [الجامع لأحكام القرآن (17/238) وراجع كتابنا الإسلام وضرورات الحياة ص:129-183] .
ولا شك أن الذي يتعاطى المسكرات والمخدرات لا يؤمن على حفظ ماله ومال غيره في حال سكره وحال صحوه، فهو لا يبالي أن يجمع المال بأي أسلوب مشروعًا كان أو غير مشروع، بل إنه يتعدى على حقوق الناس من أموالهم وأنفسهم وأعراضهم فكيف يؤمن على حفظ المال.
ومن هنا يعلم أن الذي يتعاطى المسكرات والمخدرات بالبيع أو الشراء أو الصنع أو النقل أو الإباحة ليس مؤتمنًا على حفظ الضرورات والأهداف العليا التي يجب على المسلمين أن يسعوا إلى تحقيقها في الحياة بل كل الأمم لا حياة لهم بدونها، وهي: الدين والنفس والنسل والعقل والمال.
الفصل الرابع
صرف الشباب إلى ميادين التزكية والجهاد
وفي هذا الفصل مبحثان:
المبحث الأول: صرف الشباب إلى ميادين التزكية.
المراد بالتزكية:
تطهير النفس من الآثام والمعاصي وإلزامها بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولهذا الأمر بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الناس وأنزل كتابه، والذي يتزكى يكون مهتديًا صالحًا، والذي لا يتزكى يكون ضالًا شقيًا.
فإذا أريد لأي مجتمع أن يكون مجتمعًا صالحًا تظهر فيه الفضيلة وتختفي فيه الرذيلة فعلى ولاة الأمور فيه أن يقوموا بتزكيته وتطهيره ويصرفوا شبابه إلى كل ميدان يحقق فيهم تلك التزكية التي لا يفلح إلا من منّ الله بها عليه، قال تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} [البقرة: 151] .
وكان بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأمة استجابة لدعاء إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام ربهما أن يبعث فيها هذا الرسول ليعلمهم ويزكيهم كما قال تعالى: {ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم} [البقرة: 129] .
وأكد سبحانه وتعالى امتنانه على المؤمنين ببعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم لتعليمهم وتزكيتهم، فقال: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران: 164] ، وقال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [الجمعة: 2] ، وقال تعالى: { قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} [الشمس: 9] وقال: {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: 14-15] ، وقال تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم} [التوبة: 103] .
ظاهر من هذه الآيات القرآنية أن الله تعالى بعث رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن ليتلوه على الناس ويعلمهم هذا الدين ويزكيهم ويطهرهم به، وأن من تزكى أفلح ومن لم يتزك ضل.