وكلما كانت الأضحية أكمل في ذاتها وصفاتها فهي أفضل وأعظم أجرًا، وليس المقصود يا عباد الله مجرد اللحم الذي يؤكل فقط ولكن ما تتضمنه هذه الشعيرة من تعظيم لله جل جلاله، وإظهار للشكر له والامتثالٍ لأمره يقول سبحانه: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذالِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَاكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذالِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشّرِ الْمُحْسِنِينَ [الحج:36، 37] .
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
فاتقوا الله أيها المسلمون وانبذوا عن أنفسكم الشح والبخل فقد أعطاكم الله كثيرًا، وطلب منكم قليلًا، فزكوا في هذه الأيام المباركة عن أنفسكم وأهليكم وأولادكم ووالديكم، ففضل الله واسع، وله الفضل والشكر والحمد والمنة، وتفطنوا للسنن المعتبرة في الأضاحي فلا يجزئ في الإبل إلا ما له خمس سنوات، ومن البقر إلا ما تم له سنتان، ومن المعز إلا ما تم له سنة، ومن الضأن إلا ما تم له ستة أشهر.
وينبغي الإحسان في الذبح، وإراحة الذبيحة ونحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى وذبح البقر والغنم بإضجاعها على جنبها الأيسر ويوم العيد وأيام التشريق الثلاثة بعدها كلها وقتًا للذبح بحمد الله، والأفضل في الأضاحي أن توزّع أثلاثًا بأكل ثلثًا وبهدي ثلثًا، ويتصدق بثلث فلا تحرموا أنفسكم ثواب الله في هذه الأيام المباركة وكلوا مما أحل الله لكم وتقربوا إليه بالعج والثج يقول: (( أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل ) ) (9) .
حجاج بيت الله الحرام، ضيوف الرحمن، اشكروا الله على ما من به عليكم من الإفاضة من المزدلفة إلى منى بكل يسر وسهولة تستفتحوا أعمالكم بمنى برمي جمرة العقبة الكبرى بسبع حصيات متعاقبات ثم بعد الرمي ينحر المتمتع والقارن هديه ثم يحلق أو يقصر والحلق أفضل وإذا فعل الحاج اثنين من ثلاثة الرمي والحلق والطواف حُل له كل شيء حرم عليه في الإحرام إلا النساء فإنها لا تحل له إلا بعد التحلل الثاني بفعل هذه الأمور الثلاثة كلها، فمن قدم هذه الأمور على بعض فلا حرج لأن النبي ما سئل يوم النحر عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: (( افعل ولا حرج ) ) (10) وطواف الإفاضة وركن من أركان الحج، لا يتم الحج إلا به، يقول سبحانه: ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29] .
وبعد الطواف يسعى المتمتع سعيًا ثانيًا لحجه وكذا المفرد والقارن إن لم يسعيا مع طواف القدوم ثم يبيت الحجاج بمنى ليالي أيام التشريق ويرمون الجمرات الثلاث مرتبة في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال، فالرمي والمبيت في هذه الليالي واجب من واجبات الحج، وإذا فعل الحاج ذلك فإن أحب أن يتعجل فذاك وإن تأخر فهو أفضل، يقول سبحانه: وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُوداتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة:203] ، وإذا أراد الحاج الرجوع إلى أهله ومغادرة المشاعر المقدسة وجب عليه أن يطوف للوداع لحديث ابن عباس رضي الله عنها: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض) (11) .
فيا حجاج بيت الله الحرام، ويا وفود الملك العلام، اتقوا الله تعالى في حجكم أكملوا المناسك كما شرع الله، ألا وإن مما ينبغي التنبيه عليه أن بعض الحجاج هداهم الله يتساهلون في بعض الواجبات كالرمي والمبيت بمنى وقد يوكلون وهم قادرون مستطيعون، وقد يغادرون قبل تمام المناسك وهذا خطأ عظيم، وجرأة عظيمة على مخالفة المنهج الصحيح في هذه الفريضة العظيمة، وليتق الله المسئولون عن الحجيج من المطوفين وأصحاب الحملات فإنهم مؤتمنون على من معهم من الحجاج.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
أيها المسلمون، تذكروا باجتماعكم هذا يوم يجمع الله الأولين والآخرين لفصل القضاء بينهم فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله تذكروا يوم تحشرون على ربكم حفاة عراة غرلًا كما ولدتكم أمهاتكم حافية أقدامكم، عارية أجسادكم، شاخصة أبصاركم، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:18] ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَاكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2] ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْء مِنْ أَخِيهِ وَأُمّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ لِكُلّ امْرِىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37] .
تذكروا الموت وسكراته والقبر وظلماته والصراط وزلاته والمحشر وكرباته، واعملوا لهذا اليوم العظيم واستعدوا له بالتقوى والعمل الصالح فلن ينفعكم الأموال ولن ينفعكم الأولاد ولا المناصب ولا متاع الدنيا، فلا ينفع إلا العمل الصالح، واعملوا على حسن الخاتمة واسلكوا طريق الجنة ونعيمها والحذر من النار وجحيمها.
أيها الإخوة في الله، تعيشون هذا اليوم يوم عيد الأضحى المبارك فتذكروا وأنتم تنعمون بحلول هذا العيد في أمن وأمان وصحة واطمئنان إخوانًا لكم يمر عليهم العيد وهم في أحوال قاسية، وأوضاعٍ مؤلمة، تذكروا الأطفال اليتامى والنساء الأيامى، الذين لا يجدون ابتسامة حانية ولا بشاشة مؤثرة، تذكروا إخوانكم في العقيدة المضطهدين في بلادهم في بقاعٍ شتى، هل تذكرتم إخوانكم المجاهدين الأفغان وإخوانكم المجاهدين في الأرض المباركة حول المسجد الأقصى فعملتم على نصرتهم ومد يد العون لهم.
إخوتي في الله، لقد فهم بعض المسلمين من العيد معاني اللهو والغفلة، فضيعوا هذه اللحظات المباركة بما حرم الله بل لعل بعضهم يستعد الآن لقضاء بقية الإجازة في بقاع موبوءة، وبيئات مشبوهة حيث تهدر الفضائل وتوأد المثل والقيم والأخلاق، ونقول لهؤلاء رويدكم وعلى رسلكم، فإن في بلاد المسلمين المأمونة البديل الأمثل من ذلك ولله الفضل والمنة.
أمة الإسلام، إن النصر على أعداء الله مطلب صالح يجب أن يعمل له المسلمون قادة وشعوبًا ولن يأتي ذلك إلا بنصرة دين الله وتحكيم شرع الله ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] ، وإننا لنأمل أن يحقق الله النصر لهذه الأمة على أعدائها وأن تحرر مقدساتها ويحل العدل والسلام في ربوعها ولا سيما في البشائر المتمثلة في تهاوي كثير من الأنظمة المخالفة للإسلام، وصدق الله: وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:173] ، وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ [الروم:47] .
أمة الإسلام، المسكرات والمخدرات بأنواعها أوبئة فتاكة وسموم مهلكة يجب التعاون البناء في القضاء عليها والمحافظة على الأجيال من الانخراط والتورط في حبائلها وشباك مهربيها ومروجيها ومستخدميها.