فهرس الكتاب

الصفحة 1177 من 3028

وإننا لنحمد الله جل وعلا حق حمده على ما هيأ لنا من حكومة راشدة، ودولة موفقة، تحكم بالإسلام، وتطبق الشريعة، وتبذل الغالي والرخيص في التضامن وجمع الكلمة ووحدة الصفوف ورعاية المسلمين في كل مكان، وكم بذلوا وفقهم الله ونصرهم بالإسلام وأعزهم بالإيمان من جهودٍ جبارة لخدمة الحرمين الشريفين ورعاية حجاج بيت الله الحرام وتسهيل أمورهم والسهر على راحتهم والقيام بجلب المياه العذبة والمواد الغذائية والصحية والتموينية، لا يريدون من أحدٍ جزاة ولا شكور، نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحدًا، بل إنهم يحسنون إلى من أساء إليهم ويحلمون على من جهل عليهم، وذلك ـ لعمرو الحق ـ قمة حسن السجايا والشمائل وجميل الأخلاق والتعامل، نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يحفظهم بالإسلام ويزيدهم من الإيمان ويجمل ما يقومون به من أعمال ومشروعات في موازين أعمالهم إنه جواد كريم.

علماء الإسلام، مكانتكم في هذا الدين عظيمة، أنتم ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل ورواد الإصلاح والمؤتمنون على البلاغ والدعوة والبيان، واحذروا تدليس العلم بالأطماع الدنيوية والمقاصد المادية كونوا قدوة صالحة للناس، فإذا صلح العلماء صلحت العامة، واعلموا أن ما وصل إليه حال بعض الناس من الجهل والإغراق في الأخطاء العقدية والفطرية والسلوكية إنما تتحملون بسبب ذلك قسطًا ليس باليسير من المسؤولية كما يجب على العامة أن يحفظوا للعلماء مكانتهم ويعرفوا قدرهم ومنزلتهم.

أيها الدعاة إلى الله، أنتم سلالة أنبياء الله وأحفاد رسل الله، فقوموا بواجبكم في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ولكن بالطريق السليم والمنهج الصحيح، لترتكز دعوتكم على العقيدة والإيمان، وأن تقوم على الإخلاص والتجرد للواحد الديان لا إلى طائفة ولا مشرب ولا منهج غير منهج النبوة، لتتحد صفوفكم ولتتوحد كلمتكم وليكن أسلوبكم في الدعوة الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وإنزال الناس منازلهم، حذار من العنف والغلظة وغلبة المحاسن والعاطفة، لا تستعجلوا النتائج وقطف الثمرات فلستم مطالبين بذلك، تورعوا بالصبر على ما تلاقون من الأذى الحسي والمعنوي، وترفعوا عن الخلافات الجانبية، فالخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، حذار أن يشتغل بعضكم ببعض وأن تجعلوا من الخلاف ـ فيما فيه سعة ومندوحة ـ طريقًا للشقاق والخلاف وإيغار الصدور بالحسد والبغضاء، أو إنه لما انصاع أعداء الإسلام وأذنابهم نشاط الدعوة إلى الله عملوا على إجهاض هذا النشاط فشوهوا صورة الدعاة إلى الله ولفقوا عليهم التهم وألصقوا بهم الشائعات حسدًا من عند أنفسهم وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ [الأحقاف:28] ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30] .

فيا دعاة الإسلام، ستجدون في طريق الدعوة ألوانًا من الابتلاء والأذى فالصبر الصبر، والاحتساب الاحتساب، وإياكم واليأس والقنوط أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:2، 3] ، وثقوا جميعًا بنصرة دين الله وأن العزة والكرامة لكم طال الزمان أم قصر، فتلك سنة الله وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب:62] .

أمة الإسلام، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعامة من دعائم صلاح المجتمعات، وإذا طوي بساطه، وقوضت خيامه، وأهين أهله والقائمون به، حل الدمار والخراب والفساد في البلاد والعباد، فواجب المسلمين أن يقوموا به حق القيام، وأن يدعموا أهله ماديًا ومعنويًا وأدبيًا، وعلى العاملين في الحسبة أن يتحلوا بالرفق والحكمة والعقل والبصيرة وحسن الظن بالمسلمين.

أيها المسلمون، الغزو الفكري والأخلاقي سلاحٌ فتاك استعمله أعداء الإسلام ليبعدوا المسلمين عن دينهم وقتل الغيرة في نفوسهم ووأد الفضيلة في أمرهم، فعملوا على ذلك واستخدموا في سبيله الوسائل المسموعة والمرئية والمقروءة، وأنتم أيها المسلمون في هذه الأيام أمام خطر داهم وشر قادم، له تأثيره على المسلمين عقديًا وفكريًا وخلقيًا وذلك عن طريق ما يسمى بالبث الإعلامي المباشر.

ولقد وفق الله ولاة أمرنا حفظهم الله فوجهوا للمعنيين بالأمر بأخذ الاحتياطات اللازمة بعدم التأثير على خلقنا ومثلنا وعاداتنا الحميدة، شكر الله مساعيهم وبارك في جهودهم وجعل التوفيق دائمًا حليفهم، ولكن يا عباد الله، يبقى دوركم في التربية والحصانة والتوجيه السليم وتنشئة الأجيال وتحصينهم بالدروع الواقية إيمانًا وخلقًا وتربية.

الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

نسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان وأن يهيئ لهم من أمرهم رشدًا.

أقول قولي هذا وأستغفر الله ولي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

الحمد لله حمدًا كثيرًا كما أمر، وأشكره وقد تأذن بالزيارة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إرغامًا لمن جحد به وكفر، وأشهد أن نبينا محمدًا ، الشافع المشفّع في المحشر وعلى آله وأصحابه السادة الغرر، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان ما غاب كوكب وظهر.

أما بعد:

أيها المسلمون، اتقوا الله تبارك وتعالى وأطيعوا الله ورسوله لعلكم تفلحون، واستقيموا على شرعه واشكروه على عموم نعمه، وترادف مننه، ألا وإن من نعمة الله عليكم هذه الأنعام التي خلقها لكم وسخرها وذللها لكم، فمنها ركوبكم، ومنها تأكلون، لعلكم تشكرون، وعظموا شعائر ربكم فإنها من تقوى القلوب ألا وإن من الشعائر الظاهرة ما شرعه الله لعباده في هذا اليوم العظيم من التقرب إليه بذبح الأضاحي، فهي سنة أبينا إبراهيم عليه السلام ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وقصة الخليل عليه السلام مع ابنه الذبيح لا تكاد تخفى على كل مسلم بحمد الله.

أما سنة نبينا في الأضاحي فقد خرج البخاري ومسلم في صحيحهما أنه ضحى بكبشين أقرنين أملحين ذبحهما بيده وسمى وكبر (5) [1] وقال: (( اللهم هذا عن محمد وآل محمد وهذا عمّن لم يضح من أمة محمد ) ) (6) [2] .

وقد يسّر الله على عباده في هذه الشعيرة حيث تجزئ الشاة الواحدة عن الرجل وأهل بيته كما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن هشام رضي الله عنه (7) [3] ، فينبغي للعباد أن يتقربوا إلى الله في هذا اليوم بالقيام بهذا العمل العظيم، فما عمل يوم النحر عمل أفضل من إراقة دم وأنها لتقع من الله بمكان قبل أن تقع على الأرض، وإن للمضحي بكل شعرةٍ وصوفة وقطرة دم أجر عظيم، وثواب جزيل، فعلى المضحي أن يطيب نفسًا بأضحيته وأن يختار ما كان ثمينًا سمينًا صحيحًا سليمًا، سليمًا من العيوب التي تمنع الإجزاء وهي ما ورد في الحديث الصحيح: (( أربع لا تجزئ في الأضاحي العوراء البين عورها، والعرجاء البين ضلعها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي ) ) (8) [4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت