فهرس الكتاب

الصفحة 1176 من 3028

معشر المسلمين، بهذه العقيدة الصافية، وهذا التوحيد الخالص، عزّت هذه الأمة وسعدت، وانتشرت واجتمعت كلمتها، وتوحدت صفوفها، فإنه لا عز للبشرية اليوم ولا حياة ولا سعادة للإنسانية قاطبةً إلا بها، فباتباع كتاب الله وسنة رسوله يتحقق للأفراد والجماعات ما ينشدونه ويؤملونه من خير وهدي، يقول سبحانه: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه:123، 124] ، ويقول فيما صح عنه: (( تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله ) ) (1) [1] وفي رواية: (( كتاب الله وسنتي ) ) (2) [2] فما أحوج الأمة الإسلامية وهي تمر في هذه المرحلة الدقيقة واللحظات الحاسمة من تاريخها أن تعود إلى مصدر عزتها وقوتها وانتصارها على أعدائها، لا سيما وهي تواجه التحديات الخطيرة والهجمات الشرسة من أعدائها الذين يريدون نزع هويتها الإسلامية وسلب مقوماتها ونهب مقدراتها لتكون لقمة سائغة لهم.

فيا أمة الإسلام، هذا دينكم وشرع ربكم وسنة نبيكم ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وإياكم والمحدثات من المناهج والأفكار والأهواء والطرق والآراء، فإن خير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار، والعياذ بالله.

إخوة الإسلام، لقد مرت على هذه الأمة فتراتٍ متباينة عاشت فيها بين مدٍّ وجزر فتفرقت مرة أخرى تتحد حينًا وتفترق حينًا، ترتبط بالوحيين فتعلو وتتمسك بهما فتنجو، وتبتعد عن النورين فتخبو وتهجر شرع ربها فتكبو.

وحينما يتأمل المسلم أوضاع العالم الإسلامي عبر التأريخ كله ويديم النظر في أحواله على امتداد القرون واختلاف العصور، يدرك تمامًا أنه ما تمسكت الأمة بالثوابت والأصول العقدية والمنهجية والأخلاقية لها إلا حققت آمالها، وما انحرفت عنها إلا تصدع بنيانها واهتز كيانها وأصبحت فريسة في يد أعدائها يحتلون ديارها ويعيثون بمقدراتها ويمزقونها كل ممزق، فتصبح أثرًا بعد عين، وتمر هذه القرون على هذه الأمة وترسو سفينتنا على شاطئ عالمنا المعاصر بما فيه من أخطار وتحديات وتصيب الأمة ألوان من المحن وصنوف من الفتن، ضعف ومهانة، فرقة وخلاف، تفرق في الكلمة، تبعثر في الزمام، واختلاف في الصفوف، وتسلط من الأعداء، غزو فكري وثقافي وأخلاقي، وصدق الله سبحانه: وَمَا أَصَابَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ [الشورى:30] .

وهذا يدعو كل مسلم يمثل لبنة من لبنات المجتمع الإسلامي أن يعيد النظر في حاله ويحاسب نفسه ويعلم أن الطريق إلى إصلاح الأمة هي البداية بإصلاح النفس وتقويمها على ضوء الكتاب والسنة، قيامًا بالأوامر والطاعات، وبعدًا عن الزواجر والمحرمات، ومع ما أصيبت به هذه الأمة من محن وفتن إلا أن البشائر بحمد الله كثيرة والآمال عريضة لتثمر عن ذلك صحوة كبيرة بفضل الله جل جلاله وعودة صادقة إلى دين الله عز وجل، تنشر الصواب وتتحرى الخير والسنة، وكم كان لها من الأثر الإيجابي على المجتمعات كافتها، غير أن الكمال لله وحده والخطأ من سجية البشر، فما كان من قصور فينبغي أن يعالج، ولكن كيف العلاج ـ يا عباد الله ـ؟ هل هو بالتجريح والتشهير والتهكم والتعيير أم بالرفق والحكمة والنزول إلى الميدان والواقع للإصلاح والتغيير، نعم، لقد اشتغل كثير من الخصوم بهذه التجاوزات وضخموها وألصقوا بها كثيرًا من التهم والعبارات الجارحة، لا تزيد الأمر إلا تفاقمًا، وبهذه المناسبة أقول للعائدين إلى الله: هنيئًا لكم عودتكم، ولكن الطريق ليس طريق العابئة والاندفاع، ولكنها طريق العلم والعقل والبصيرة والحكمة.

واعلموا أيها الإخوة أن أخطاءكم تنجر إلى غيركم، ولتلافي الأخطاء فإن السبيل إلى ذلك يكون بالالتصاق بالعلماء الذين يطفئون بنور العلم شرارة الحماس العاطفي الذي قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، وإن الواجب على علماء الأمة في ذلك كبير وعظيم فلا ينبغي أن يزيدوا الأمر خطورة بالنقد اللاذع والتشهير الفادح، وإنما بالنزول إلى ميدان العمل والواقع.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

أيها المسلمون، إن أعظم الحقوق التي يجب القيام بها حق الله سبحانه، وحقه جل وعلا توحيده وعدم الإشراك به وطاعته وعبادته على حسب قوله سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] ، وكما في الصحيحين من حديث معاذ رضي الله عنه (3) [3] . فالله جل جلاله لم يخلق الخلق عبثًا ولم يتركهم سدًا وهملًا حاشاه سبحانه، وبعد حق الله يا عباد الله يأتي حق رسوله وذلك بمحبته عليه الصلاة والسلام محبة حقيقية تفوق حب النفس والولد والوالد والناس أجمعين، محبة صادقة باتباع سنته وتصديق أخباره وطاعة أوامره واجتناب نواهيه وزواجره، وألا يعبد الله إلا بمقتضى شرعه ملته فهو عليه الصلاة والسلام إمامنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا ـ بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام ـ، حبه والله في أعماق النفوس وتوقيره في القلوب مغموس، فلا يجوز لأحدٍ أن يرمي مسلمًا بعدم محبة الرسول فهل يبقى دين في قلبه وهو لا يحبه عليه الصلاة والسلام، ولكن السؤال الذي يجب أن يطرح هنا: ما مقتضى المحبة؟ وما معالم الصدق في تحقيقها واقعًا وعمليًا؟ فصلوات الله وسلامه وبركاته على الحبيب المصطفى ما ليل سجى وصبح بدا، سلامًا سرمديًا أبدًا.

ثم يأتي بعد حق الله جل جلاله وحق رسوله عليه الصلاة والسلام حق ولاة أمور المسلمين فإن لهم على شعوبهم حقًا، ولشعوبهم عليهم حقًا، وحق ولاة الأمور على رعاياهم أن يطيعوهم في المعروف يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الاْمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] ، وأن يقوموا بحق النصيحة لهم لقوله فيما رواه مسلم عن تميم الداري رضي الله عنه: (( الدين النصيحة ) )قالها: ثلاثًا، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: (( لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ) ) (4) [4] .

كما ينبغي حفظ أعراضهم ومحبتهم والدعاء لهم بالصلاح والتوفيق والبطانة الصالحة، يقول الإمام أحمد رحمه الله: لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لصرفتها للإمام. وما ذلك إلا لعظيم حقه وكريم منزلته ولأن في صلاح الراعي صلاح الرعية أجمعين، كما ينبغي إظهار محاسن ولاة الأمور للعامة والنصح لهم، وحسن القيام بما يسندون من أعمال ومهام ووظائف وغيرها، ولشعوبهم عليهم أن يحكموهم بشرع الله ويسوسوهم بالعدل والرفق والمساواة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت