إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأصلي وأسلم على عبد الله ورسوله نبينا محمد بن عبد الله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
أيها المسلمون، اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أولاكم من نِعم، اشكروه جل وعلا على بلوغ هذا اليوم العظيم، واستعينوا بنعم الله على طاعته سبحانه، تذكروا أنكم قادمون على ربكم في يومٍ لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
إخوة الإسلام، يستقبل المسلمون هذا العيد بالفرحة والبهجة والسرور والشكر والرخاء والحبور، فالحجاج يؤدون فيه معظم مناسكهم ومن سواهم يتقربون إلى الله بالصلاة والتكبير والأضاحي، فهنيئًا للمسلمين في هذا اليوم المبارك، هنيئًا لهم بحلول هذا العيد السعيد، واعلموا رحمكم الله أن السعادة في العيد لا تكمن في المظاهر والشكليات، وإنما تتجسد في المعنويات وعمل الصالحات، واذكروا نعمة الله عليكم مما تنعمون به من حلول العيد المبارك في أمن وأمان وصحة وخير وسلام وإيمان، فهذه النعم سلبها كثير من الناس، وإذا كان المسلمون يتقربون إلى الله بذبح ضحاياهم وهداياهم فإن أعداء الإسلام يضحون بالأبرياء في سبيل الشيطان وفي هذا عبرة للمعتبرين وذكرى للذاكرين.
أيها المسلمون، حافظوا على دينكم وقوموا بواجباته وأركانه، فهو دين الشمول والكمال لا خير إلا جاء به، ولا شر إلا حذر منه، جاء بجلب المصالح ودرء المفاسد والحفاظ على الدين والنفس والمال والعقل والعرض، قام على أسس عظيمة وأركان متينة، من لم يأت بها فقد خسر دينه، وأهم أركانه بعد الشهادتين الصلاة المفروضة فهي الفرقان بين الكفر والإيمان، يقول: (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ) )خرجه الإمام أحمد وأهل السنن عن بريدة رضي الله عنه (11) ، وروى مسلم عن جابر رضي الله عنه أن الرسول قال: (( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ) ) (12) ولا بد من إقامة الصلاة بأركانها وواجباتها في الجماعة في بيوت الله عز وجل، أدوا زكاة أموالكم يا عباد الله طيبة بها نفوسكم تمتعوا بما جاء به الدين الإسلامي الحنيف من النظام الأخلاقي والاجتماعي المتميز، وذلك برعاية الأخلاق الحميدة والبعد عن الخصال الذميمة والأخلاق الرذيلة ونشر المحبة والوئام والمحبة والسلام بينكم والبعد عن الغيبة والنميمة والبهتان، اتبعوا ما جاء به الدين الحنيف من النظام الاقتصادي العادل الذي لا وكس فيه ولا شطط، وذلك برعاية الأموال والحرص على سلامة مدخلها ومخرجها ورعاية المكاسب المباحة والبعد عن الحيل الممنوعة والمكاسب المحرمة كالربا والسرقة والاختلاس والرشوة ونحوها، احفظوا جوارحكم من الآثام، مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ولا تبغوا الفساد في الأرض، قوموا على من تحت أيديكم من الأهل والأولاد بالتربية الإسلامية الصحيحة التي لا غلو ولا تقصير فيها، احرصوا على اجتماع القلوب وصفاء النفوس، صلوا الأرحام وبروا الآباء والأمهات، وأعينوا الفقراء والمحتاجين وتوبوا إلى ربكم من ذنوبكم فإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
شباب الإسلام أنتم أمل الأمة ورجال المستقبل ولن تبنوا أمجادكم وتؤمنوا مستقبلكم وتقوموا بحمل الأمانة تجاه دينكم وأمتكم وبلادكم إلا بالاستقامة على دين الله والتحلي بالصبر والمثابرة والأخلاق الكريمة والبعد عن الرذائل والفساد والانحراف، صونوا أنفسكم يا عباد الله عن الملهيات والمغريات، لا تغتروا أيها الشباب بشبابكم وصحتكم، فالموت لا يفرق بين صغير وكبير ولا غني وفقير، تفطنوا لمخططات أعدائكم، تجاهكم، وكونوا منها على حذرٍ وحيطة.
أيها الأخوات المسلمات والنساء الفاضلات، إن مكانتكن في الإسلام عظيمة، أنتن الأمهات المشفقات والأخوات الكريمات والمربيات الرحيمات والبنات الفاضلات، لقد فتح الإسلام لكُنَّ أبواب الفضائل، صانكن ورعاكن وحماكن، فالمرأة في هذا الدين درة مصونة وجوهرة مكنونة حافظ عليها بالستر والحياء والحجاب، ونهى عن كل ما يكون سببًا في التعدي عليها وإيقاع الفتنة بها من التبرج والسفور والاختلاط والخروج إلى الأسواق، فكن أيتها الأخوات المسلمات عزيزات بدينكن، واحذرن من أعدائكن الذي يلبسون أبها الحلل وينادون بألسنة الحلاوة والعسل بدعوى تحرير المرأة وإنصافها وهم يريدون القضاء عليها وإهدار عزتها وكرامتها، ومما ينبغي التحذير منه أن بعض النساء هداهن الله يفهمن الحجاب على غير ما شرع الله، فبعضهن يستر الرأس فقط، وبعضهن يبدين الأعين بشكل مريب وفاتن، وهذا مخالف للحجاب الشرعي الكامل للمرأة في وجهها وكفيها وجميع بدنها ياأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لاِزْواجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذالِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ [الأحزاب:59] .
عباد الله، اقضوا هذا اليوم المبارك بالتكبير والتسبيح والتحميد والتهليل والأكل من الطيبات وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُوداتٍ [البقرة:203] ، يقول: (( أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل ) ) (13) .
أيها المسلمون، كبروا ربكم واذكروه جل وعلا: فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [البقرة:200-202] .
أمة الإسلام، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قِوام هذا الدين به نالت هذه الأمة الخيرية على غيرها من الأمم، وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على أهميته ووجوده وإصلاحه البلاد والعباد، فالواجب على المسلمين جميعًا أن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر، كلٌ حسب استطاعته على درجات الإنكار المعروفة، ولا بد من تحلي الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بالرفق والعلم والحلم والحكمة ليكون لعملهم الأثر الإيجابي في البعد عن التعنيف والغلظة.