فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 3028

والأسرة مضطرة إلى تعليم أولادها في المدارس، والمدارس أغلبها تحت إشراف الدولة، والأسرة تضطر إلى شراء حاجاتها من السوق والخروج إلى الشارع، والسوق والشارع تشرف عليهما الدولة، والأسرة تحتاج أن تمشي في مناكب الأرض وتمتع نفسها بالمناظر الجميلة في البساتين العامة والغابات وشواطئ البحار، وهذه وتلك إنما تشرف عليها الدولة فإذا قاما الدولة بواجبها من حماية الأسرة والمجتمع من الفساد الإعلامي والتعليمي والاجتماعي كان ذلك تعاونًا مع الأسرة على المزيد من الخير وإلا هدمت الدولة كل ما تبنيه الأسرة، ونحن نعرف أن بعض الدول المسئولة في بعض الشعوب الإسلامية تحاول هدم الإيمان في النفوس واتخذت كل الوسائل لاقتلاع الأخلاق الإسلامية ونشر الرذيلة والفساد بين الشباب، حتى أصبح المسلم يأمن على نفسه وعرضه وأولاده في المجتمعات الكافرة أكثر من أمنه في بلاد المسلم الذي هو مسقط رأسه.

وولاة الأمر الذين هذا دأبهم لا يرجى منهم إلا تقوية المنكر وإفشائه، فهل يحق لأمثال هؤلاء أن يستعينوا بالإسلام على محاربة بعض الفساد الذي اضطروا لمحاربته لا إرضاء لله ولكن لأغراض أخرى قد تكون اقتصادية؟ كلا.

الفصل الثالث: وجوب السعي لتحقيق الأهداف العليا التي تحيا بها الأمم، وتوجيه الشباب إليها

المسلم له هدف عام يجب أن تكون كل أهدافه متفرعة عن ذلك الهدف ومحققة له، وهذا الهدف العام هو رضا ربه تعالى عنه بقيامه بعبادته التي تشمل كل تصرفات الإنسان في هذه الحياة كما قال سبحانه وتعالى: )وما خلقت الجو والإنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ( [الذاريات: 56-58] ، وقال تعالى: ) أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه( [البينة: 7-8] .

ولهذا يبشر الله المؤمنين بدوام رضوانه عنهم ويذكرهم بذلك بعد أن يدخلوا الجنة فينالوا نعيمها لا يفكرون في سواه فقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يدرك، فيقول: هل رضيتم؟، فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: ألا أعطكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك، فيقول: أحل عليكم رضواني فلا سخط عليكم بعده أبدًا ) ) [مسلم (4/2176) ] .

هذا هو الهدف العام الذي يجب أن يوجه كل نشاط للفرد المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم إلى تحقيقه.

وهناك أهداف تنفرع عنه وتعتبر - نسبيًا - وسائل لتحقيقه، وقد أطلقتُ عليها: الأهداف العليا، ويطلق عليها الضرورات الخمس، أو الست، ولهذا جعلت هذا الفصل خمسة مباحث كل مبحث يتعلق بإحدى هذه الضرورات، وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال، وقبل أن أذكر كل مبحث على حدة أورد بعض النصوص من القرآن والسنة الدالة على عناية الإسلام بحفظ هذه الضرورات.

قال تعالى: )قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم بع لعلكم تعقلون، ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، لا نكلف نفسًا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى، وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون، وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلك وصاكم به لعلكم تتقون( [الأنعام: 151-153] .

فقد اشتملت الآيات على وجوب حفظ الدين في نهيه سبحانه عن الشرك، وفي قوله: )وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ( وعلى حفظ النفس في قوله تعالى: ) ولا تقتلوا أولادكم (، ) ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ( كما اشتملت على وجوب حفظ النسل بقوله تعالى: ) ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ( [ويدخل في حفظ العرض الذي يعده بعض العلماء ضرورة سادسة] ، واشتملت على حفظ المال في قوله تعالى: ) ولا تقربوا مال اليتيم ( ) وأوفوا الكيل والميزان بالقسط (وأما حفظ العقل فإنه يؤخذ من التكليف بحفظ هذه الضرورات وكل الأوامر والنواهي الإلهية، ولعل في قوله تعالى في آخر الآية الأولى: ) ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون( ما يدل على ذلك ويشير إليه.

وهذه الضرورات اتفقت على وجوب حفظها جميع الملل والأمم وإن اختلفت في طرق حفظها وتفاصيلها، والفرق بين الإسلام وغيره من ملل الأرض الموجودة إلا أن الإسلام يعتبر حفظ هذه الضرورات دينًا وعبادةً لله عليها ثواب وعقاب، بخلاف الملل والقوانين الأخرى، ولهذا قال تعالى هنا في آخر هذه الآيات: )ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ( وقال قبل ذلك: ) وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله(.

وقد فصل الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة وجوب حفظ هذه الضرورات ويصعب أن يتتبعها الباحث هنا، ولكن أشير باختصار شديد إلى بعضها:

فمن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( اجتنبوا السبع الموبقات ) )قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: (( الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم وأكل الربا، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ) ) [البخاري (3/195) ومسلم (1/92) ] .

فالنهي عن الشرك بالله والسحر، والتولي يوم الزحف يدل على وجوب حفظ هذا الدين إيمانًا وعملًا، والنهي عن قتل النفس يدل على وجوب حفظ النفس، والنهي عن أكل مال اليتيم وأكل الربا يدل على وجوب حفظ المال، والنهي عن قذف المحصنات الغافلات المؤمنات يدل على وجوب حفظ النسل والعرض وحفظ العقل يدل عليه التكليف بهذه الأمور وغيرها كما يدل عليه تحريم شرب المسكرات وتعاطي المخدرات.

هذه هي الأهداف العليا التي تحيى بها الأمم ويجب على ولاة الأمور من حكام وآباء وعلماء وغيرهم أن يوجهوا الشعوب إلى تحقيقها، فإن الشباب إذا وجه إلى تحقيقها وفقه معانيها وشغل نفسه بها فسوف لا يخاف منه تعاطي المعاصي والمنكرات، ومنها المسكرات التي تهدم هذه الضرورات والأهداف هدمًا.

وقد عني علماء المسلمين بهذه الضرورات، وبينوا أنها أقوى المراتب في مصالح العباد وأنها هي مقصود الشرع [راجع الموافقات للشاطبي (2/4) بتحقيق محمد محي الدين والمستصفى للغزالي (1/286-288) ] .

وبعد هذا نذكر المباحث الخمسة وخلاصة في كل مبحث لبيان أن كل واحدة من هذه الضرورات لابد من حفظها وتوجيه الشباب إلى تحقيق ذلك الحفظ لها.

المبحث الأول: حفظ الدين.

ويدل على ضرورة حفظه وجوب العمل به بعد الدخول فيه والإيمان به، وأن من لم يدخل فيه ولم يعمل به فهو خاسر في الدنيا والآخرة، ومن دخل فيه ومن آمن به فهو فائز في الدنيا والآخرة، والحد الأدنى للعمل بهذا الدين هو التزام فرائضه واجتناب نواهيه.

قال تعالى: )والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر( [سورة العصر] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت