فإذا ما اشتغل المسلم بحفظ هذا الدين بالعمل بالحد الأدنى منه فقط كان عضوًا صالحًا في المجتمع وكان بعيدًا عن تناول ما حرم الله ورسوله عبادةً لربه وليس خوفًا من الناس فقط وسلم من الخسران، ومثل هذا لا يخشى منه أن يتعاطى المسكرات والمخدرات.
ومن حفظ هذا الدين: الدعوة إليه، كما قال تعالى: )قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا من اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين( [يوسف: 108] .
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث أصحابه لإبلاغ الناس هذا الدين بالرسائل أو بالبقاء بينهم لتعليمهم ودعوتهم وهكذا أصحابه من بعده [راجع البخاري (2/125) ومسلم (1/5) ] .
ومن يوجه لدعوة الناس من الشباب ويشغل بها فسيكون قدوة حسنة للعمل بالإسلام والاستقامة والخلق ومثله سيكون مجتنبًا لكل المحرمات وبخاصة تلك التي لا يتعاطاها إلا أرذال الناس كالمسكرات والمخدرات.
ومن وسائل حفظ هذا الدين: الجهاد في سبيل الله الذي يكون فرض عين على كل مسلم عندما لا توجد طائفة قائمة به كافية.
والشباب الذي يهتم به فيوجه إلى التدريب على وسائل الجهاد في سبيل الله والاستعداد لمقارعة الأعداء ليس مثل الشباب الفارغ الذي تكون أهدافه هابطة ينظر إليها تحت أقدامه، فالأول يذكر اله في كل أحيانه ويعلم أن سبيل الله معناه دينه الذي يجب أن ينصر وترفع رايته، والآخر لا يفكر في غير الأكل والشرب والتمتع بالحياة، وإذا هم بشيء من التدريب فإنما يهتم بتقوية عضلاته تقوية ليس وراءها شيء.
وقد أمر الله تعالى بحفظ هذا الدين بإعداد المستطاع للقوة التي ترهب أعداء هذا الدين، كما قال تعالى: )وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم( [الأنفال: 60] .
وهل يفكر الشاب المشتغل بالجهاد في سبيل الله في أن تهبط نفسه إلى ما يقتل روح الجهاد في نفسه وبخاصة المسكرات والمخدرات؟
المبحث الثاني: حفظ النفس.
أوجب الله تعالى حفظ النفس بأساليب شتى في النصوص والتشريع.
فقد ثبت الوعيد الشديد لمن اعتدى على النفس في الكتاب والسنة، بل أن بعض العلماء من السلف ذهبوا إلى عدم توبة من قتل نفسًا محرمًا بغير حق [راجع الإسلام وضرورات الحياة للكاتب ص:49-53] .
ولم يبح الشارع القصاص ممن ادعي عليه أنه اعتدى على النفس إلا بإقامة البينة، وأوجب الله تأخير تنفيذ الحد أو القصاص إذا كان في ذلك ضرر على غير الجاني حتى يزول الضرر، وربط الشارع إقامة الحدود والقصاص بالإمام ونائبه حتى لا يستعجل في إزهاق النفوس البريئة [نفس المرجع ص:54-57 وراجع رسالة الحدود والسلطان للمؤلف] .
ولم يجز الشارع قتل غير المؤلف ولو أتى ما يبيح به قتل المكلف [نفس المرجع ص:59] وأباح للمضطر - بل قد يجب عليه - أن يتناول ما هو محرم عليه في الأصل لإنقاذ حياته [نفس المرجع ص:61] .
وفرض سد الذرائع الموصلة إلى قتل النفس [نفس المرجع ص:64] .
والشباب الذي يربى على هذه المعاني التي تمتع الاعتداء على النفس وتوجب حفظها بعد أن يتعاطى المسكرات والمخدرات التي هي من أهم وسائل الاعتداء على النفوس.
المبحث الثالث: حفظ النسل.
ولو لم يحفظ الجنس لانقرض الجنس، وهذا أمر لا يختلف فيه البشر، وقد جبل الله عليه المخلوقات فحافظت عليه بالتزاوج، ويمتاز الإسلام عن غيره بأنه يوجب للمحافظة على النسل أن يكون عن طريق النكاح المشروع ولا يجيزة عن طريق غير مشروع.
ولهذا جاءت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تبين محبة الله ورسوله لحفظ النسل وتكثيره والترغيب في النكاح والتحذير من التبتل، وبيان المصالح العائدة على الآباء في الدنيا والآخرة من النسل ورتبت الشريعة على حفظ النسب أحكامًا كثيرة [راجع كتاب المؤلف: الإسلام وضرورات الحياة ص67-104] .؟؟؟؟
والذي يربى على حفظ النسل بالطريقة المشروعة فلا يرتكب الزنا، وإنما يحافظ على النسل من طريق النكاح المشروع يكون بعيدًا عن الأسباب التي تدفعه إلى إتيان الفاحشة التي يترتب عليه انتهاك الأعراض واختلاط الأنسب والإنجاب بطرق غير مشروعة، ومن أهم الوسائل المؤدية إلى ذلك تعاطي المسكرات والمخدرات.
فإن متعاطيها لا يسلم من الأمور الآتية:
1 )إتيان الفاحشة التي يترتب عليها ما ذكر.
2)عدم الغيرة على عرض نفسه مما قد يتسبب عند وجود منكرات في أسرته واختلاط الأنساب فيها.
3 )بعض الأمراض التي تقتل نسله في حال الحمل أو أولاده وأفراد أسرته بسبب الآثار التي تحذر له من تناول المسكرات والمخدرات.
فالشباب الذي يقتنع بوجوب حفظ النسل بل بضرورته ويعلم أنه يترتب على تعاطيه المسكرات والمخدرات ما يخل بحفظ النسل سيبتعد عن تعاطي ذلك.
المبحث الرابع: حفظ العقل.
العقل من أكبر نعم الله على الإنسان، جعله الله فرقًا بينه وبين الحيوان بما أودع فيها من طاقة للحكم على الأمور واستخلاص النتائج من مقدماتها والغوص إلى معرفة الحقائق الكونية والاستدلاد بها على عظمة الخالق … والواجب أن يشكر الإنسان ربه على هذه النعمة التي لولاها لما كان هناك فرق بينه وبين الحيوان.
لذلك يذكر الله آياته الكونية وما فيها من نعم الله على الإنسان ويعقب على ذلك التذكير بأن في ذلك آيات لذوي العقول، كقوله تعالى: {هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون، ينبت لكم به الزرع والزيتون والتخيل والأعناب ومن كل الثمرات في ذلك لآية لقوم يتفكرون، وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر، والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} [النحل: 10-12] .
وكذلك جعل الله تعالى آياته الشرعية حياة لذوي العقول التي توصلهم عقولهم على تقوى الله، كما قال تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} [البقرة: 179] .
ومما يدل على ضرورة حفظ العقل أنه تعالى جعله مناط التكليف، لأن العاقل هو الذي يكون قادرًا على فهم خطاب الله، بخلاف المجنون، أو ناقص التصور بسبب نقص إدراكه لضعف عقله، كالصبي فإن الله لا يكلفهم في تلك الحال، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق ) ) [أبو داود (4/558) وراجع صحيح البخاري (8/21) والتمهيد لابن عبد البر (1/109) وفتح الباري (9/393) والأحكام في أصول الأحكام للآمدي (1/138-139) ] .
وسائل حفظ العقل:
ويمكن تلخيص وسائل حفظ العقل في ثلاثة أمور عامة:
الأمر الأول: توجيهه إلى المجالات النافعة - أي تفكيره في المصالح التي تعود على صاحبه ومجتمعه بالخير في الدنيا والآخرة، وتغذيته بالمعاني السليمة الصافية سواء ما يتعلق منها بالمغيبات أو المحسوسات: في أمور الدنيا والآخرة.
وقد وردت نصوص كثيرة لتوجيه العقل إلى هذا الأمر وحث العقل على التفكير في المحسوسات الهدف منه الوصول على ما يترتب عليها من الانقياد لصانع تلك المحسوسات ولهذا يعبر عنها بالآيات، أي العلامات التي تدل العاقل على أن الانقياد لصانعها هو الشيء الطبيعي.
من ذلك قوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} [البقرة: 164] .
ففي هذا دعوة إلى استعمال العقل في هذا المجال وهو الاستدلال ببديع صنع الله على وجوب الانقياد له وذلك أصل مصالح الدنيا والآخرة.