قال المودودي رحمه الله:(فإنكار الإنسان للحياة الآخرة أو الإقرار بها له تأثير في حياته، فإن الذي فطر عليه الإنسان أن يصبوا إلى عمل أو يعرض عنه إلا على قدر ما يرى فهي لنفسه فائدة أو ضرر، فأنى للذي لا يغدوا نظره فائدة هذه العاجلة وضررها أن ينشط لعمل صالح لا يرجوا منه فائدة في هذه الدنيا، أو يجتنب عملًا سيئًا لا يخاف منه على نفسه ضررًا في هذه الدنيا؟ أما الذي ينفذ بصره إلى نتائج الأعمال ولا يقف عند ظواهرها، فلا يرى نفع هذه العاجلة أو ضررها إلا شيئًا عارضًا، فيؤثر الحق على الباطل والخير على الشر، نظرًا إلى فائدة الآخرة أو مضرتها الأبدية ولو كان الخير يعود إلى نفسه بأقدح ضرر والسيئة بأعظم منفعة في هذه الدنيا.
فانظر إلى ما بين هذين الرجلين من الفرق العظيم والبون الشاسع، فالخير في نظر الأول ما يحصل نفعه في هذه الحياة الفانية … والشر عنده ما ينتج أو يخشى أن ينتج شيئًا مكروهًا في هذه الدنيا … بينما الخير في نظر الرجل الثاني ما يرضي الله والشر ما يسخطه، وهو يرى أن الخير في كل حال وإن لم ينفعه في هذه الحياة الدنيا … وأن الشر في كل حال وإن لم يذق، أو لم يخف أن يذوق وباله في هذه الحياة الدنيا) [مبادئ الإسلام ص:115-117] .
فإذا ما أردنا الأمن والسعادة وانقياد الناس للخير وابتعادهم من الشر، ومن ذلك تعاطي المسكرات والمخدرات فعلينا أن نغرس في نفوسهم الإيمان بالله وبكتابه وباليوم الآخر، وغيرها من أصول الإيمان وفروعه، فإن الإيمان يغير النفوس من شريرة إلى خيرة، ولا يمكن لغير الإيمان أن يغير تلك النفوس ذلك التغيير.
المبحث الثاني: تربية المجتمع على تطبيق الإسلام.
إن الإيمان الصادق لا بد أن يثمر العمل الصالح، والعمل الصالح هو أصول الإسلام الخمسة وما تفرع عنها: الشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام وكلما أوجب الله على المسلم عينًا أو كفاية وكذلك اجتناب ما حرمه الله تعالى عليه، بل إن المؤمن الحق هو الذي يفعل المندوبات ويترك المكروهات ويترك المباحات التي يخشى أن تؤدي به إلى ما فيه بأس.
ويجب أن يربى المجتمع المسلم على القيام بالعمل الصالح من فعل واجب أو ترك محرم، كما يستحب أن يربى على فعل المندوبات وترك المكروهات، وأن يكون العمل الصالح هذا هو المسيطر على هذا المجتمع وأن يكون ولاة أمور المسلمين وهم الحكام والعلماء قدوة حسنة في ذلك للمجتمع فإن تطبيق معاني الإسلام في المجتمع تجعل الخير فيه مألوفًا وتجعل الشر منكرًا.
يشعر المجتمع المسلم عندما يطبق فيه الإسلام بالارتياح والطمأنينة لكل عمل مشروع ويحب صاحبه ويقدره، كما يشعر هذا المجتمع بالنفور من أي عمل سيء ويبغض صاحبه، فيظهر بذلك الخير والخلق الحسن ويختفي الشر والخلق السيء فلا يوجد في هذا المجتمع سوق نافقة للمعاصي والمنكرات فلا زنًا ولا ربًا ولا قتل ولا قتال ولا ظلم ولا خمر ولا مخدرات ولا غيرها.
وهذا بخلاف ما إذا اختفى تطبيق الإسلام أو ضعف فإن المجتمع لا يغضب لمنكر ولا يتأذى منه، بل إنه يستسيغه وقد يؤيده كثير من أفراده.
التطبيق للإسلام يدفع المجتمع المسلم إلى التعاون على البر والتقوى، وعدم تطبيقه يدفع إلى التعاون على الإثم والعدوان، أو على السكوت عن الإثم والعدوان، والسكوت في النتيجة تعاون على الإثم والعدوان.
وأرى أن أقتصر في هذا المبحث عل ما مضى، لأنه سيأتي في الفصول والمباحث الآتية ما يمكن أن يغني عن الإطالة هنا في هذا الموضوع.
الفصل الثاني: الاهتمام بتربية الأسرة
الأسرة هي نواة المجتمع فإذا حصل اهتمام بتربية أفرادها تربية صالحة صار المجتمع كله صالحًا، لأن الأسرة تتكون من أفراد، والمجتمع يتكون من أسر.
المبحث الأول: يتعلق بالأسرة نفسها.
وذلك بأن يجتهد أفراد هذه الأسرة بتربية أنفسهم وتربية بعضهم بعضًا على الإسلام بأداء حقوق الله وحق بعضهم على بعض وأداء حقوق المجتمع وحق الله تعالى.
ويبدأ ذلك باختيار الزوج الصالح الزوجة الصالحة، والزوجة الصالحة الزوج الصالح، فإن صلاح الزوجين هو أساس التربية الطيبة للأسرة.
ثم قيام كل من الزوجين بواجبه المستطاع في تربية الأولاد على المعاني الإسلامية وغرس حب الله وحب رسوله وحب الخير في نفوسهم وبغض كل ما يبغضه الله ورسوله من المنكر والفساد، حتى ينشأ الأولاد وهم ملتزمون برضى الله مبتعدون عما يسخطه فيكونوا أعضاء نافعين في المجتمع المسلم.
وتربية الأسرة على هذا المعاني شاقة تحتاج إلي جهد متواصل وصبر طويل وتحتاج أن يجاهد الأخوان أنفسهما أن يكونا قدوة حسنة إذا أمر أولادهما بخير يفعلانه وإذا نهياهم عن شيء يتركانه وإلا كان الأمر الذي يخالف الفعل أو النهي الذي يرتكبانه وبال على الأولاد لأنهم يتأثرون بالفعل أكثر من القول [راجع كتاب منهج التربية الإسلامية (2/118) لمحمد قطب] .
كما أنه يجب على الأسرة أن تحذر من جلساء السوء فلا تتيح لهم الفرصة ليختلطوا بها بل يجب أن يكون جلساؤها هم أهل الصلاح والخير الذين هم قدوة حسنة في العلم والعمل الصالح لتتعاون معهم على البر والتقوى وليس على الإثم والعدوان.
وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم الأثر الصالح المترتب على مصاحبة الجليس الصالح كما بين الأثر السيء المترتب على مصاحبة الجليس السوء.
كما في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحًا خبيثة ) ) [البخاري (6/231) ومسلم] .
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا قام به أفراد الأسرة فيما بينهم ولم يسمحوا للمنكر أن يستقر في أحد منهم يكون له أثر كبير في الاستقامة، لأن الطفل ينشأ على ذلك من صغره فيكبر وقد اصطبغ بذلك ويصبح ما يخالف مألوفه عنده غير مستساغ فإذا يسر الله له أن يكون المجتمع خارج البيت كذلك كان ذلك نورًا على نور.
أما إذا كانت الأسرة غير صالحة - أي لم ترب على الإسلام - فإن الشر يستقر فيها ويكون المعروف منكرًا والمنكر معروفًا يتعاون الأفراد على الإثم والعدوان ولا يتعاونون على البر والتقوى، وأولاد هذه الأسرة يغلب عليها الشقاء وحب الشر بدلًا من حب الخير ويصعب على المجتمع أن يؤثر فيهم بالخير والصلاح إلا من شاء الله.
فإذا قامت الأسرة بواجبها في تربية أفرادها على الإسلام فإن ارتكاب الجريمة ومنه تناول المسكرات والمخدرات لا بد أن يقل لعدم قبول الأسرة له ومقاومتها له وإن لم تقم الأسرة بتربية نفسها على الإسلام فإن المسكرات تتفشى في الأسرة ويكثر ارتكاب المعاصي والإعانة عليه وهناك يكمن الخطر.
ولهذا أمر الله أولياء أمور الأسر بأن يقوا أنفسهم وأهليهم النار فقال تعالى: )يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون( [التحريم: 6] .
المبحث الثاني: عناية أولياء أمور المسلمين بالأسرة.
الأسرة تستطيع أن تقوم بواجب تربية أفرادها على الإسلام في محيطها، ولكنها لا تستطيع أن تحمي أفرادها من أوبئة الفساد المنتشرة في الدولة، فالمدارس والأسواق والنوادي والمنتزهات وأجهزة الإعلام وغيرها من مرافق المجتمع العامة تشرف عليها الدولة وليست الأسرة.