فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 3028

فإذا ربي الإنسان على الإيمان بأن هذا القرآن كلام الله وانه لا اهتداء إلا به في هذه الحياة، وأن ما شرعه الله فيه يجب أن يطاع أمرًا كان أو نهيًا، وأنه لا يجوز أن يطاع أحد في معصيته وأنه يجب أن يُتَعلم حلاله وحرامه، ويُطَبق في واقع الحياة أن الإنسان إذا ربي على ذلك فسيكون إنسانًا صالحًا يحب الخير ويدعوا إليه ويأمر به، ويبغض الشر ويحذر منه وينهى عنه، ومن ذلك المسكرات والمخدرات التي حذر الله تعالى منها.

وإذا لم يرب المسلم على ذلك فأي قانون قادر على قيادته بسهولة ويسر غير هذا القرآن؟

لقد كان لهذا القرآن أثره في نفوس الذين أخذوه علمًا وإيمانًا وعملًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت لهم بذلك السعادة والعزة والأمن والاستقرار والإيثار والمودة والإخاء، وهذه المعاني هي التي ينشدها العالم اليوم، لفقدها أو ضعفها التي يكاد يكون كالفقد، ولا يمكن أن تعود هذه المعاني إلى الأرض إلا إذا سلك المسلمون مسلك سلفهم الصالح في تعلم كتاب الله والإيمان به وتطبيقه في حياتهم.

قال ابن كثير رحمه الله: (قال الأعمش: عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن، وقال عبد الله السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرؤننا أنهم كانوا يستقرؤن النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا) [تفسير القرآن العظيم (1/3) وانظر الفتاوى لابن تيمية رحمه الله (13/331) ] .

هكذا كان تأثير القرآن على النفوس التي آمنت به، كانوا يقفون عند آياته تلاوة وتفهمًا لمعانيها وتطبيقها لأوامرها ونواهيها.

وسنة رسول الله صلى اله عليه وسلم وسيرته كالقرآن في التكليف ووجوب الإيمان بها، فهي وحي مثله في ذلك، والواجب الإيمان بما صح منها والعمل بها كالقرآن، لأن الله قد أمر بطاعة رسوله كما أمر بطاعته، قال تعالى: )قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين( [النور: 54] .

فإذا غرس الإيمان بالكتاب والسنة في نفوس الناس تغيرت نفوسها من الجنوح والفسوق إلى الإقبال إلى الله والطاعة.

وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لشدة إيمانهم بهذا القرآن قال لهم الله عز وجل: )فهل أنتم منتهون ( [المائدة: 91، تفسير القرآن العظيم(2/92) ] قالوا: انتهينا يا رب، وكان ذلك في أم الخبائث كلها وهي الخمر.

غرس الإيمان باليوم الآخر في النفوس:

إن علم الإنسان وإيمانه أنه سيموت فقط غير كاف في تربيته على فعل الخير وترك الشر، لأنه لا يوجد عاقل في الأرض إلا وهو يعلم علم اليقين أهن سيموت، فلا بد لتربية الإنسان على فعل الخير وتر الشر من غرس الإيمان باليوم الآخر في نفسه وتعليمه ما يكون فيه من أهوال وجزاء، وإلا فالذي لا يؤمن باليوم الآخر كلما ذكر الموت ازداد ضراوة وشراهة في التمتع بالشهوات وازداد تمرده على القوانين وحقوق الناس ما لم يتيقن من وجود رادع له بالمرصاد.

ولهذا تجد الإيمان باليوم الآخر يقترن بالإيمان بالله تعالى في الإثبات وما يترتب عليه وفي النفي وما يترتب عليه في القرآن والسنة معًا.

كما قال تعالى: )ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين ( [البقرة: 8] وقال تعالى: ) إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلهم أجر عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( [البقرة: 62] وقال تعالى: ) وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنًا وارزق أهله من الثمرات من آمن بالله واليوم الآخر قال فمن كفر فأُمتِّعه قليلًا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ( [البقرة: 126] وقال تعالى: ) ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين … ( [البقرة: 177] وقال تعالى: ) ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ( [البقرة: 232] وقال تعالى: ) ليسوا سواء، من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهمن عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين ( [آل عمران: 113-114] وقال تعالى: ) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا ( [النساء: 59] وقال تعالى: ) إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين( [التوبة: 18] .

وقال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] ، وقال تعالى: )لا يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ( [التوبة: 44-45] ، وقال تعالى: ) وماذا عنهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقكم اله وكان الله بهم عليمًا( [النساء: 39] .

هذه الآيات واضحة أنه يترتب على الإيمان بالله واليوم الآخر العمل الصالح في الدنيا والجزاء الحسن في الآخرة، ومعنى هذا أن الذي يغرس في نفسه الإيمان باليوم الآخر فيؤمن به حقًا لا يرتكب معصية الله تعالى خوفًا من عذابه في ذلك اليوم، ويسارع إلى طاعة الله طمعًا في ثوابه ورضاه في ذلك اليوم.

وقد أجمل الله سبحانه وتعالى رحلة الإنسان وأطوارها خاتمًا بالبعث بعد الموت فقال: )ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظامًا، فكسونا العظام لحمًا، ثم أنشأناه خلقًا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون( [المؤمنون: 12-16] .

فالتذكير باليوم الآخر بما فيه من أهوال البعث والحشر والجزاء من أهم ما يوقظ الغافلين، والذي يؤمن بذلك حق الإيمان لا بد أن يطلب رضوان الله بفعل أوامره وترك نواهيه، كما أنه لا بد أن يفر من سخطه كذلك، ولهذا عني القرآن الكريم بذلك، كما قال تعالى: )ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد ( [الحج:1-2] ، وقال تعالى: ) اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون( [الأنبياء: 1-3] .

فالذي لا يؤمن بالآخرة أو يغفل عنها لا يرجى منه خير ولا إقلاع عن الشر والفساد في الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت