وقال تعالى: )قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا ويحذركم الله نفسه واله رؤوف بالعباد( [آل عمران: 29-30] .
تأمل هاتين الآيتين الأخيرتين: هل تجد شيئًا يمكن إخفاؤه على الله الذي أحاط علمه بما في السماوات وما في الأرض، وما يخطر للمرء في صدره، وهل يقدر الإنسان أن ينكر شيئًا مما عمل في الدنيا عندما يلاقي الله فيجد عنده كل عمل خير أو سوء؟.
إن الإنسان ليقدر أن يحتال على الناس وعلى كل الوسائل التجسسية في الدنيا ويفلت منها، وكذلك يقدر أن يحتال على القضاء والقوانين، وعلى المحامين وأساليبهم وعلى الشرطة ووسائلهم وسجونهم ويخرج من عندهم جميعًا بريئًا، وهو في الواقع غير بريء، ولكنه لا يقدر على ذلك بالنسبة للخالق، كما قال تعالى: )إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا، واستغفر الله إن الله كان غفورًا رحيمًا، ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانًا أثيمًا، يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطًا، ها أنتم هؤلاء جادلتم عنه في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلًا، ومن يعمل سواءً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا، ومن يكسب إثمًا فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليمًا حكيمًا، ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يرم به بريئًا فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا( [النساء: 105-112] .
قل لي بربك لو أن مريد مخالفة القانون في أي بلد يعلم أن آلة التصوير مسلطة عليه في منزله وفي سيارته وفي الشارع وفي بيت الخلاء وفي أي مكان تحرك أو سكن فيه، وأن صورته تظهر على حقيقتها على مرآة التلفاز أمام مراقبين يتابعونه هل تراه يستطيع أن يخالف القانون ويفعل ما سيعاقب عليه من قبل السلطة القادرة على القبض عليه وعلى معاقبته؟.
فكيف إذا علم العبد وآمن أن الله محيط به يعلم كل حركاته وسكناته وخطرات قلبه في كل لحظة من لحظات حياته؟
فلو أن الإنسان يربى على العلم بهذه الصفة الإلهية والإيمان بها وما يترتب على ذلك من صغره فنشأ على ذلك لما كان يجترئ أغلب من رُبِّي على ذلك على ارتكاب المعاصي والاعتداء على الحقوق سواءً كانت حقوق الله أو حقوق عباده ولكان المؤمن بهذه الصفة يحقق الإحسان الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ) [مسلم (1/36-37) ] .
وقال الأستاذ أبو الأعلى المودودي رحمه الله في هذا المعنى:(وأهم شيء وأجدره في هذا الصدد أن الإيمان بلا إله إلا الله يجعل الإنسان مقيدًا بقانون الله ومحافظًا عليه، فإن المؤمن يكون على يقين بسبب اعتقاده بهذه الكلمة أن الله خبير بكل شيء، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وأنه إن أتى بعمل في ظلمة الليل، أو حالة الوحدة فإن الله يعلمه، وأنه إن خطر بباله شيء جميل فإن علم الله محيط به، وأنه إن كان من الممكن له أن يخفي أعماله على كل واحد في الدنيا فإنه لا يستطيع إخفاءها على الله عز وجل، وإن كان يستطيع أن يفلت من بطش أي كان فإنه لا يستطيع أن يفلت من الله عز وجل.
فعلى قدر ما يكون هذا الإيمان راسخًا في ذهن الإنسان يكون متبعًا لأحكام الله قائمًا عند حدوده، لا يجرؤ على اقتراف ما حرم الله ويسارع إلى الخيرات والعمل بما أمر الله ولو في ظلمة الليل أو حالة الوحدة والخلوة، فإن معه شرطة لا تفارقه حينًا من أحيانه، وهو يتمثل دائمًا أمام عينيه تلك المحكمة العليا التي لا يكاد الإنسان ينفذ من دائرة حسابها) [مبادئ الإسلام ص98 طبع الاتحاد الإسلامي للمنظمات الطلابية] .
فإذا فقد الإنسان العلم والإيمان بهذا المعنى فإنه سيرتكب كل ما يهواه عندما يشعر أنه لا يعلم به القادر على تأديبه وسيكون الموظف المسئول عن متابعة المجرمين مجرد ما يتعاطى هو بنفسه المسكرات والمخدرات أو يخفي جرائم المتاجرين في ذلك والذين يتعاطونه إذا نال منهم فائدة مادية، وهذا أمر يعرفه أهله أما من علم هذا المعنى وآمن به فأمانته يعرفها ذوو الخبرة في هذه الأمور.
غرس الإيمان بقدرة الله التامة على كل شيء:
إن المجرم إذا علم أن أحدًا يعلم جريمته إذا ارتكبها، ولكنه يعلم أن هذا العالم بجريمته عاجز عن متابعته وعقابه فإنه يستطيع أن يرتكب تلك الجريمة وينجوا من عقاب ذلك العالم بجريمته ولو كان يبغضها غاية البعض، لكنه إذا اجتمع عنده العلم والإيمان أن أحدًا يعلم بما يرتكبه من معصية ويقدر على متابعته ومحاسبته وعقابه لا يقدر أبدًا على الإفلات منه فإنه لا يقدم على ارتكاب المعصية التي يعلمها ويعاقبه عليها.
ولهذا جمع الله سبحانه بين علمه المحيط بكل شيء، وقدرته التامة على كل شيء في قوله تعالى: )قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير( [آل عمران: 29] .
وقال تعالى: )أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، كانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليمًا قديرًا( [فاطر: 44] .
فمن أراد أن يوجد من يجتنب ما يضره ويضر مجتمعه من الجرائم، بل من أراد أن يكون الشعب كله حارسًا على مصالحه في السر والعلن فليرب من أراد منه ذلك على العلم والإيمان بقدرة الله التامة على كل شيء مع إحاطته تعالى علمًا بكل شيء.
ولعل هذا يبين حكمة أمر الله تعالى عباده أن يعبدوه بأسمائه الحسنى التي تملأ القلب المؤمن حبًا لله وخوفًا ورهبة منه فيقدم على ما يحب ويبتعد عما يكره، كما قال تعالى: )ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها( [الأعراف: 180] .
لأن كل اسم من أسمائه تعالى يحمل من المعاني ما لو فقهه المؤمن وثبت في قلبه لازداد تقربًا إلى الله بطاعته بأداء حقوقه وحقوق عباده، وترك معصيته بعدم الاعتداء على حقوقه وحقوق عباده.
ولهذا كان المكثر من حفظ أسماء الله الحسنى المتعبد بها جديرًا بوعد الله أن يدخله الجنة، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة ) ) [البخاري (3/185) ومسلم (4/2062) وفي مسلم زيادة في رواية: (من حفظها) ] .
وقال ابن القيم رحمه الله: (ولو شهد بقلبه صفة واحدة من أوصاف كماله لاستدعت منه المحبة التامة عليها، وهل مع المحبين محبة إلا من آثار صفات كماله فإنهم لم يروه في هذه الدار، وإنما وصل إليهم العلم بآثار صفاته وآثار صنعه فاستدلوا بما علموه على ما غاب عنهم) [طريق الهجرتين وباب السعادتين ص:561-562 طبع قطر] .
غرس الإيمان بكتاب الله في النفوس:
إن هذا القرآن لم ينزل إلا لهداية البشر وإقامة الحجة عليهم، قال تعالى: )ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ( [البقرة: 1-2] ، وقال تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} [الإسراء: 9] ، وقال تعالى: ) وهو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون( [الصف: 9] .