فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 3028

)يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا( [الأحزاب: 70-71] .

أما بعد فإن المسلم لا يشك في أن تطبيق منهج الله في الأرض، كما أراد الله، يحقق لمن طبقه السعادة والرضا والاطمئنان في الدنيا، وينيله رضا الله وثوابه والفوز بنعيمه المقيم في الآخرة، وفي البعد عن تطبيق منهجه الشقاء في الدنيا والآخرة.

ويقين المؤمن بهذا يدل عليه أمران:

الأمر الأول: قول الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقوله صدق ووعده حق، وقد قال تعالى: )قال اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشرهم يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى( [طه: 123-127] .

الأمر الثاني: الواقع التاريخي الذي دل على ما دل عليه كتاب الله فإنه ما طبق منهج الله أمة إلا كانت عزيزة الجانب سعيدة الحياة سليمة من القلق والاضطراب ولا فقد تطبيق ذلك المنهج في أمة إلا أذلها الله وأنزل بها من المصائب والويلات ما يقلقها وينغص حياتها وإن بلغت ما بلغت من الغنى والتمتع المادي بأنواع المتع وها هي أمم الأرض الآن تذوق وبال أمر بعدها عن الله.

وما مؤتمرنا هذا [المؤتمر العالمي الثاني لمكافحة المسكرات والمخدرات الذي انعقد في مدينة إسلام أباد في جمهورية باكستان الإسلامية في 27 شوال سنة 1409هـ وافتتحه رئيس الجمهورية وقد أعد هذا البحث للمشاركة فيه وقدم المؤلف خلاصة له في المؤتمر] إلا أحد الأدلة على مرض واحد من الأمراض الفتاكة التي شملت الأرض عامة، وشعوب المسلمين خاصة وقد عجزت عن مقاومته والوقاية منه وعلاجه أجهزة الدول العالمية: كبراها وصغراها، فضلًا عن الأمراض الأخرى التي يصعب حصرها وحصر مؤتمراتها وندواتها والجهود المبذولة لمقاومتها.

واعتراف المريض بمرضه واهتمامه به خطوة طيبة في سبيل علاجه، وعليه أن يفكر في أسباب وجود هذا المرض فقد يكون أهم أسبابه تقصيره في الوقاية منه فيجب أن يتلافى ذلك التقصير، وهو إذ يبحث عن علاج له عليه أن يعرض نفسه على الطبيب المختص الذي عنده المقدرة على تشخيص الدواء ووصف الدواء فإذا تمكن من ذلك فيجب أن يتناول الدواء الذي وصفه له ذلك الطبيب.

وها نحن نعترف بالمرض وهو تعاطي المسكرات والمخدرات ونبحث عن الطبيب الذي يشخص الداء ويصف الدواء ولعلنا نعترف هنا جميعًا أن طبيبنا هو شرع الله الذي لم يغادر صغيرة ولا كبيرة مما يحتاج الناس فيه إلى هداية إلا بينها وجلاها كما أنه لم يغادر صغيرة ولا كبيرة من أسباب الفساد في الأرض إلا حذر منها وعراها، وإذا كانت هذه أو تلك قد تخفي على من بعد عن التفقه في هذا الدين، فإنها غير خافية على فقهائها، ولكل مجال رجال.

هذا وقد اخترت الكتابة في هذا الموضوع - وهو وقاية المجتمع من تعاطي المسكرات والمخدرات - لأن الأصل هو الوقاية من المرض، كما أن الوقاية قد تكون العلاج الحاسم للمرض بعد وقوعه.

وهذا البحث من هذا القبيل، إذا طبق ما تضمنه فإنه وقاية وعلاج، وقاية للمريض وغيره، وعلاج للمريض وما يكون وقاية وعلاجًا خير مما يكون علاجًا فقط.

هذا وقد اشتمل على سبعة فصول:

الفصل الأول: غرس الإيمان في النفوس، وتربية المجتمع على تطبيق الإسلام في الحياة.

الفصل الثاني: الاهتمام بتربية الأسرة.

الفصل الثالث: وجوب السعي لتحقيق الأهداف العليا التي تحيا بها الشعوب.

الفصل الرابع: صرف الشباب إلى ميادين التزكية والجهاد.

الفصل الخامس: إقامة قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الفصل السادس: جعل منهاج التعليم والإعلام محققة لمقاصد الإسلام.

الفصل السابع: الحكم بما أنزل الله.

وإني لأرجو أن يكون هذا البحث نافعًا للوقاية من كل الأمراض الوبيئة التي تفشت في مجتمعاتنا الإسلامية وفي غيرها.

وإذا كانت التجربة كما يقال خير برهان فليجرب من يريد للشعوب الإسلامية السعادة والنجاة من كل شر تطبيق ما تضمنه هذا البحث.

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وهو حسبي ونعم الوكيل.

الفصل الأول

غرس الإيمان في النفوس وتربية المجتمع على تطبيق الإسلام في الحياة.

وفي هذا الفصل مبحثان:

المبحث الأول: غرس الإيمان في النفوس.

تمهيد في بيان معنى الإيمان:

الإيمان في اللغة: التصديق [ينازع بعض العلماء في أن المراد بالإيمان في اللغة التصديق ولكن المقام لا يتسع لمناقشة ذلك، راجع الفتاوى لابن تيمية (7/123) ] ، ويتعدى باللام كقوله تعالى: )وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين( [يوسف: 17] أي وما أنت بمصدق لنا.

وأما الإيمان في الشرع فالراجح أنه: (تصديق بالقلب وقول باللسان، وعمل بالجوارح) فإذا أطلق شمل ذلك كله.

فالمراد بالإيمان ما عناه الله تعالى في القرآن الكريم والسنة وفهمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم من السلف الصالح وهو التصديق الجازم بكل ما أخبر الله به من الغيب، وهو يشمل أصول الإيمان الستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وما تفرع عنها مما ورد به الكتاب والسنة الصحيحة وليس المراد بالإيمان مجرد ما تعرف عليه أهل الأديان المنحرفة الذي مضمونه علاقة شخصية بين الإنسان وربه لا شأن له بنشاطه في الحياة.

فإن هذا ليس هو الإيمان الذي جاء به القرآن، إذ الإيمان الذي نزل به لا ينفك عنه العمل الصالح المبني على العلم النافع، كما قال تعالى: )إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون( [الحجرات: 15] .

هذا ولست أريد أن أطيل هنا الكلام على أصول الإيمان الستة كلها، فضلًا عما يتفرع منها، وإنما أريد أن أضرب أمثلة فقط يتضح بها أن غرس الإيمان في النفوس هو أعظم واق من أمراض المعاصي، ومنها تعاطي المسكرات والمخدرات، وهذه الأمثلة تتعلق بالإيمان بالله، والإيمان بكتاب الله الذي هو القرآن، والإيمان باليوم الآخر.

الإيمان بالله:

ولست أيضًا بمطيل في الكلام عن الإيمان بالله بذكر كل ما يتعلق بذاته تعالى من كونه خالقًا وربًا وإلهًا، وإنما أضرب لذلك مثالين:

أحدهما: يتعلق بعلمه الشامل المحيط بكل شيء.

والثاني: يتعلق بقدرته التامة على كل شيء.

غرس الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء وأثره في الوقاية من إرتكاب المعاصي وبخلاصة المسكرات والمخدرات.

لقد كثر في القرآن الكريم ذكر علم الله المحيط بكل شيء بأساليب شتى، والمقصود منها إشعار الإنسان بأن أعماله لا تخفى على الخالق، وأنها محفوظة مكتوبة محاسب عليها صاحبها، كما قال تعالى في أهل الكتاب الذين حذر بعضهم بعضًا من الاعتراف بما في كتبهم مما يوافق القرآن الكريم ويؤيد صحة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لئلا يكون اعترافهم بذلك حجة للمسلمين عند الله، قال تعالى عنهم: )وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون، أَوَلا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون( [البقرة: 76-77] .

وقال تعالى: )إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء( [آل عمران: 5] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت