فهرس الكتاب

الصفحة 1126 من 3028

في بداية تسعينات القرن الفائت الميلادي كنت أتابع بكل حماس أخبار الجزائر و إنتخاباتها , و كنت أنظر إلى جبهة الإنقاذ الإسلامية و قادتها, كمن ينظر إلى محبوبته-بوصف الحب العذري طبعا- لا أستطيع أن أصف لكم مدى الرومانسية التي إكتنفتني حينها ,حتى أني و مع ضعف وسائل الإعلام حينها كنت أصحوا من نومي الى الجريدة قبل المدرسة.

حتى أني حفظت تقريبا أسماء أغلب مدن الجزائر و بعض عامية أهلها و حياتها السياسية و حلمت أن أتزوج فتاة جزائريه.

و بعدها صدمت صدمة من تزوجت محبوبته دون إرادتها,"الإسلام هو الحل"جمله تحمل من الرومانسية عند شباب المسلمين ما لا يحمله شعر قيس و جميل. ولاكن ماذا بعد الرومنسية؟

لم نكن مبادرين قبلا الى التفكير في ما بعد الرومنسية ,في التفكير في مشروع متكامل يفرز حلوله التلقائيه لمواجهه أي أزمة , فساقتنا الرومنسيه الى التهور و البحث عن ردة فعل أنيه, و تبرير ردة فعلنا بفعل الأخرين علينا, حين نضب معين المبادرة الذاتيه المبنيه على وجود منظومة فكريه متكامله و تفصيلية اصبح ردة فعلنا هي الفعل الوحيد المقدور عليه.

نضوب معين المبادرة الذاتية الذي أشرت إليه , هو سمة عامة للامة في هذه المرحله التاريخية. فهي إزاء التحدي الذي واجهته من الحضارة الغربية إختارت الكسل الفكري و ضعف المبادرة على جميع الأصعدة, يستوي بذالك -للأسف- جميع تياراتنا الفكرية و مؤسساتنا و هيأتنا و حكوماتنا.

فنحن و مع مجيئ الحضارة الغربيه اصبنا بصدمة حضارية كبيرة, طبعتنا بذهول توقفت معه قدرتنا على الإستجابه .و لا افيد هنا من الرجوع الى المقريزي و وصفه حمله نابليون على مصر و كيف كان الناس ينظرون الى الفرنسين نظرة الانسان الى المخلوقات الفضائية.

من ذاك التاريخ إنقسم الفكر الإسلامي الى عدة أقسام تجاه هذا الكم الهائل من الثقافة الوافدة و هو اشبه بإصابة العقل بانفصام الشخصيه بعد اي صدمة.

هنا اصبح الشارع يبحث عن بديل مقنع بعد ان اكتشف انه و هو خير امه اخرجت للناس صار اهون الناس. و من هنا بدأ التجاذب بين التيارات المختلفة و الخيارات المتعددة

1-العلمانيون

التيار الأول تيار كسول جدا الى حد الموات, هو التيار العلماني التغريبي حيث انه لم يتكلف العناء في البحث عن بدائل او مبادرات وحسم قراره بأن استسلم بالكامل للمشروع القادم بل ان منهم من هم تغريبيون اكثر من الغرب نفسه, و لا يمثل هذا المشروع حسب رئيي الا الانهزاميه عينها.

و لاكن رغم ذلك قاد العلمانيون الساحة الفكريه و النخبة و من ورائهم الشارع الإسلامي و ذلك لسبب بسيط جدا أرجو التنبه إليه بدقه, الا و هو ان العلمانيون يملكون مشروع متكامل الملامح فيه اجابه على كل تسأل عند الشارع و هو ليس فضل من عند انفسهم بل لانهم و بكل بساطة سطوا على تراكم فكري طويل انتجته اوروبا عبر قرون, و ان لم يجد الحل عند ماركس وجده عند فولتير او رسو او ادم سميث و القائمة تطول, و حجتهم في ذلك الواقع و هو ان من سار على ذلك الدرب ( وهو الغرب) وصل الى ما لم نصل إليه نحن-متجاهلا انه لم يكن دربا مشى عليه الغرب بل الغرب هو من انتج الدرب الذي سار عليه , اي انه لم ينصاع لدرب الاخرين بل بادر الى ايجاد دربه الخاص النابع من مجتمعه و ظروفه- , و لا يمكننا انكار التأيد الواسع لهذا التيار و رموزه حتى اواخر القرن الماضي في جميع بلاد الاسلام ,و اعتبار رموزه قادة الفكر الحر و التنويري. (ولا ننسى انه بغياب موسى عليه السلام استطاع السامري اغواء الناس بنسخ الهه اقوام اخرى) , و هو ما فعله السامريون (العلمانيون) .

2-الإسلاميون

تيار لم يستسلم و قرر المواجهه و لاكن دون مشروع واضح المعالم او متكامل, و غطى على ذلك بالعموميات الرومانسيه كعبارة"الإسلام هو الحل".و اوضح ما يمكن قرأته في هذا المشروع هو الرفض ولكن دون بديل ملموس, و بالرجوع الى موضوع الديموقراطة مثلا فهوه يبشر بالشورى التي و مهما سمعت عنها لم افهمها, ان المعروض منها حتى الأن اما ديموقراطيه بديكور شرعي او حكم شمولي بقيادة احد الصحابة او احد الملائكة بما لا يضمن رجوع الطغيان. فلا هم اوجدوا مشروعهم الخاص بتجميل الديموقراطيه و جعلها نسخة هجينه صنعت على عجل , ولا هم قدموا الحل المقنع ضد رجوع الطغيان من خلال الحل الاسلامي الشمولي.و قس على ذلك جميع نوازلنا المعاصره , في الاقتصاد اما تجميل الربا بحيل شرعية (ولا اسميها حلول شرعية) و أما تجميدنا في اطار اقتصادي غير منطقي, و التعليم و .... و والى ما لا حصر له من نوازل.

و لا يجد هذا التيار من اساس صلب لإجتذاب الشارع الا فشل المشروع العلماني و تجد المتحدث منهم يقول باستمرار ( يا اخي جربنا العلمانيه فانظر الى ماذا اوصلتنا) فهو بذلك لا يبني نفسه على نفسه بقدر ما يبني نفسه على فشل الأخرين, و يقولون (إن الإسلام ككتالوج الأله فإذا مشيتم على الكتالوج عرفتم ما يصلح لتلك الأله فمصنعها أدرى بها من غيره) و يساعده في ذلك ان المشروع الاسلامي مجرب تاريخيا , و نجح عبر التاريخ, -و لكن ما غاب عنهم ان الإسلام دائما حين نجح عبر التاريخ ,كان ينجح أهله بإنتاج رؤى جديدة نابعة منه, متكامله في طرحها ,مناسبه لبيئتها و عصرها, اصوليه في منابتها. و كان دئما المبادر الى ما يستجد قبل ان يستجد ,و لم يكن رد فعل لم استجد-.و لم يكن رب العباد ليتركنا بدون إمتحان أو فتنه ليصدر كتالوج تفصلي, بل أقول أن الإسلام كمرجع صناعة الاله الذي يستقي منه كل مصنع مبادئ الصنع التي يجب ان يتبعها و الأخطاء التي يجب إجتنابها و رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو الاسوه الحسنة صنع لنا نموذج اولى لما يجب ان نحتذي به و لكن الكتلوج التفصلي هوه منوط بنا فصناعة السيارة تستند لمبادئ صناعة العربة الأ ان لكل منهما كتلوج تفصلي يختلف باختلاف ظروف عملها و إن كان الهدف واحدا.

والمشروع الإسلامي الحديث بذلك أجاب عن سؤال أين الحل؟ دون لماذا؟ و كيف؟

و بذلك تكون كل أفكارنا ما زالت أسيره المشروع الغربي و كان الغرب دائما طرف المعادله الأخر لأي مشروع فهو الحاضر الغائب دوما , فبعد استعمارنا فكريا من قبل الغرب ,نحن إما مستسلمين للغرب (العلمانيون) , أو متصالحين معه بزاوج متعة غير متكافئ بين الإسلام و فكر الغرب, أو فار في الكهوف من الغرب, أو مواجه بالذب الفكري عن حياض الإسلام ضد تهم الغرب, أو مقاتل يثأر لما فعله بنا الغرب, أو ....الغرب, أو الغرب, أو الغرب.

الى متى يكون الغرب محور ثقافتنا ، و مواقفنا تقاس إليه بعدا او قربا عداوه او مصالحة او مهادنة او استسلاما, و نحن جميعا في ذلك في موقف واحد و إن إختلفنا ,موقفنا هو ردة الفعل المحضة.

ولكننا ما زلنا أحياء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت