فهرس الكتاب

الصفحة 1115 من 3028

-وكان النورسي يحب أعالي الجبال، كما كان يحب أعالي الأشجار الباسقة الشاهقة، وكان يفضل الصلاة على الصخور المرتفعة، وكان يقول لتلاميذه:

"لو كنتُ في قوة شبابكم هذا، لما نزلت من هذه الجبال."

لقد كان النورسي أمَّة في رجل، وربَّى تلاميذه بالقدوة، وحياته كانت أكبر كرامة.. إنه رجل عصر المصائب والبلايا والمهالك- كما قال عن نفسه- وهو عصرنا، وقد هيأ الأدوية الناجعة للجروح الإنسانية الأبدية، وقدَّمها إليها خلال رسائله وكتبه التي هي من نور القرآن العظيم.

وفاته:

توفي بديع الزمان النورسي في الخامس والعشرين من شهر رمضان المبارك عام 1379هـ الموافق للثالث والعشرين من شهر آذار 1960م تاركًا موسوعة إيمانية ضخمة تسد حاجة هذا العصر، وتخاطب مدارك أبنائه، وتدحض أباطيل الفلاسفة الماديين، وتزيل شبهاتهم من أسسها، وتثبت حقائق الإيمان وأركانه بدلائل قاطعة، وبراهين ناصعة، جمعت في ثمانية مجلدات ضخام، هي: الكلمات- المكتوبات- اللمعات- الشعاعات- إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز- المثنوي العربي النوري- الملاحق- صيقل الإسلام. وقد ترجمت إلى اللغات العربية والإنكليزية، والألمانية، والأردية، والفارسية، والكردية، والفرنسية، والروسية وغيرها، ودفن في مدينة (أورفه) .

وبعد الانقلاب العسكري في تركيا في 27/5/ 1960 قام الانقلابيون العسكر بنقل رفات الإمام النورسي إلى جهة غير معلومة.

وقد وصف شقيقه الشيخ عبد المجيد النورسي نقل رفات أخيه بديع الزمان في مذكراته، بعد خمسة أشهر من وفاته، فقد قالوا له:

"سنقوم بنقل رفات أخيك الشيخ سعيد النورسي من أورفه".

وقاموا بهدم قبر بديع الزمان، وقلت في نفسي:"لابد أن عظام أخي الحبيب قد أصبحت رمادًا، ولكن ما إن لمست الكفن، حتى خيل إليّ أنه قد توفي بالأمس. كان الكفن سليما، ولكنه كان مصفرًا بعض الشيء من جهة الرأس وكانت هناك بقعة واحدة على شكل قطرة ماء."

الاستعمار التركي:

تتردد على ألسنة الكتاب كلمة الاحتلال التركي والاحتلال الغربي ، وتوصف الأمة العربية بأنها وقعت تحت سيطرة استعمارين واحتلالين ، وإيراد العبارات على هذا النحو أمر مقصود له هدف بعيد: هو تصوير العلاقة التي كانت بين العرب والأتراك على أنها علاقة استعمار أو احتلال . وهدا مناقض للتاريخ والواقع معًا ، فالرابطة التي قامت منذ 1517م حتى 1918 بين العرب والترك داخل نطاق الدولة العثمانية لم تكن في الحقيقة احتلال ولا شبيهه.

وإنما كانت محاولة من محاولات الوحدة والالتقاء بين أقطار العالم الإسلامي في مواجهة الأخطار ، وقد جاءت هذه الوحدة على أثر ضعف قوى السلاجقة والمماليك من بعدهم وتعرض البلاد العربية وخاصة مصر والشام لتجدد أخطار الغزو الصليبي الغربي والتحركات التي بدأها الأوربيون مرة أخرى لاستئناف الحروب الصليبية.

والمعروف أن العرب قد رحبوا بالوحدة الإسلامية العثمانية بعد أن ضعفت قوى المماليك في مصر وقوى البربر في المغرب وأصبحوا هدفًا لمحاولات صليبية جديدة ، وقد وجدوا في العثمانيين ، إخوتهم في العقيدة منتعشًا جديدًا للإسلام وقوة شابة بدوية مقاتلة ، رفعت راية الإسلام عالية خفاقة وأعادت ذكرى الأبطال في سبيل إعزاز الإسلام ونشره.

كما رحب العرب في مصر والشام بالوحدة الإسلامية العثمانية بعد أن نقموا على دولة المماليك إهمالها شأنهم في المرحلة الأخيرة فحاربوا في صفوف العثمانيين، والواقع أنه لم يكن في هذه المرحلة خلاف جذري بين العرب والترك ، فقد كان الطابع الإسلامي هو مظهر الوحدة الأساسية بين العناصر المختلفة والوحدات المنضمة تحت لواء الوحدة الإسلامية.

ومن حق أن يقال: إن العثمانيين قد قاموا في هذه المرحلة الأولى بتمثل مفهوم الإسلام في نطاق الحكم وتحركوا من خلال إطاره ، ويشهد المؤرخون بأن العثمانيين قد اقتفوا أثر الخلفاء الأولين في العدل والتسامح وتمثلوا أعمالهم واتخذوهم قدوة ، وعملوا على جمع القلوب إليهم بتقدير العلماء الأتقياء وإنشاء الجوامع والمدارس.

ومن هنا فإن القول بأن هذه الرابطة بين العرب والترك كانت استعمارًا إنما هو من النظريات المشبوهة والعبارات المدخولة التي يحاول الغزو الفكري والتبشير والتغريب إذاعتها وإقراراها في الأذهان.

أما ما كان من الخلاف بين الترك والعرب بعد تنحي السلطان عبد الحميد وفي ظل حكم الاتحاديين دعاة الطورانية فذلك هو الخلاف الحقيق الذي يموه عليه خصوم المسلمين والعرب ويصفونه بأنه خلاف بين الترك والعرب ، وهو في الحقيقة خلاف بين الاتحاديين أتباع الماسونية وأعوان الصهيونية وبين العرب الذين تصدروا للزعامة في هذه الفترة.

نقلًا عن الشبهات والأخطاء الشائعة في الفكر الإسلامي ، للدكتور أنور الجندي رحمه الله ، ص 189

وثيقة بخط السلطان عبد الحميد بسبب خلعه

بسم الله الرحمن الرحيم

حفظ عن السلطان رسالة وجهها الى شيخه في الطريقة الشاذلية محمود ابو الشامات شيخ الطريقة الشاذلية في دمشق , بين فيها الشلطان المسكين لشيخه سبب خلعه , وقد احتفظ بها الشيخ وها هي الرسالة حرفيا:

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين

الحمد لله رب العالمين وافضل الصلاة واتم التسليم على سيدنا محمد رسول رب العالمين وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين الى يوم الدين .

أرفع عريضتي هذه الى شيخ الطريقة الشاذلية العلية , الى مفيض الروح والحياة , الى شيخ أهل عصره الشيخ محمود أفندي ابي الشامات , وأقبل يديه المباركتين راجيا دعواته الصالحة .

بعد تقديم احترامي اعرض أنني تلقيت كتابكم المؤرخ في 22 مايس من السنة الحالية , وحمدت المولى وشكرته أنكم بصحة وسلامة دائمتين .

سيدي:

إنني بتوفيق الله تعالى مداوم على قراءة الاوراد الشاذليه ليلا ونهارا, واعرض انني ما زلت محتاجا لدعواتكم القلبية بصورة دائمة .

وبعد هذه المقدمة اعرض لرشادتكم والى امثالكم أصحاب السماحة والعقول السليمة المسالة المهمة الآتية كأمانة في ذمة التاريخ:

إنني لم أتخل عن الخلافة الاسلامية لسبب ما , سوى انني - بسبب المضايقة من رؤساء جمعية الاتحاد المعروفة باسم ( جون تورك )

وتهديدهم - اضطررت وأجبرت على ترك الخلافة .

إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا علي بأن اصادق على تاسيس وطن قومي لليهود في الارض المقدسة (( فلسطين ) )ورغم اصرارهم فلم اقبل بصورة قطعية هذا التكليف , واخيرا وعدوا بتقديم ( 150 ) مليون ليرة إنكليزية ذهبا , فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية ايضا واجبتهم بهذا الجواب القطعي الآتي:

(( إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبا - فضلا عن( 150 ) مليون ليرة ذهبية -فلن اقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي , لقد خدمت الملة الاسلامية والامة المحمدية ما يزيد عن ثلاثين سنة فلم أسود صحائف المسلمين آبائي وأجداداي من السلاطين والخلفاء العثمانيين , لهذا لن اقبل تكليفكم بوجه قطعي ايضا )).

وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي , وابلغوا انهم سيبعدونني الى (( سلانيك ) )فقبلت بهذا التكليف الاخير .

هذا وحمدت المولى واحمده انني لم أقبل بأن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الاسلامي بهذا العار الابدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الاراضي المقدسة: فلسطين ... وقد كان بعد ذلك ما كان , ولذا فإني اكرر الحمد والثناء على الله المتعال , واعتقد ان ما عرضته كاف في هذا الموضوع الهام , وبه اختم رسالتي هذه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت