فهرس الكتاب

الصفحة 1114 من 3028

ويسود حزن في معسكر الأسرى ويلتف حوله الضباط الأسرى من الأتراك والألمان والنمساويين ملحّين عليه القيام بالاعتذار للقائد الروسي وطلب العفو منه، إلا أنه رفض ذلك بإصرار، قائلًا لهم:

"إنني أرغب في الرحيل إلى الآخرة، والمثول بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. لذلك فإنني بحاجة فقط إلى جواز سفر للآخرة، وأنا لا أستطيع أن أعمل بما يخالف إيماني".

وتصدر المحكمة قرارها بالإعدام، وفي يوم التنفيذ تحضر ثلة من الجنود على رأسها ضابط روسي لأخذه إلى ساحة الإعدام، ويقوم سعيد النورسي من مكانه بابتهاج قائلًا للضابط الروسي:

-أرجو أن تسمح لي قليلًا لأؤدي واجبي الأخير.

ثم يقوم ويتوضأ ويصلي ركعتين.

وهنا يأتي القائد العام ليقول له بعد فراغه من الصلاة:

-أرجو منك المعذرة، كنت أظنك قد قمت بعملك قاصدًا إهانتي ولكنني واثق الآن أنك كنت تنفذ ما تأمرك به عقيدتك وإيمانك، لذا فقد أبطلت قرار المحكمة، وإنني أهنئك على صلابتك في عقيدتك، وأرجو المعذرة منك مرة أخرى.

-في 13/8/ 1918 عُيِّنَ عضوًا في (دار الحكمة الإسلامية) التي كانت تضم كبار العلماء والشعراء والشخصيات في إستانبول.

وقررت له الحكومة مرتبًا، ولكنه ما كان يأخذ منه إلا ما يقيم أوده، والباقي ينفقه على طباعة رسائله العلمية التي كان يوزعها مجانًا.

-وبعد أن احتل الحلفاء (الإنكليز والفرنسيون) العاصمة إستانبول، ألَّفَ النورسي كتابه (الخطوات السّتّ) وحَكَمَ عليه الحاكم العسكري الإنكليزي بالإعدام على هذا الكتاب، وعلى نشاطه المعادي للقوات المحتلة، وأراد محبوه إنقاذه، فدعوه إلى (أنقرة) فأجابهم:

"أنا أريد أن أجاهد في أخطر الأمكنة، وليس من وراء الخنادق. وأنا أرى أن مكاني هذا أخطر من الأناضول".

-دُعِيَ إلى أنقرة سنة 1922 واستُقْبِلَ في المحطة استقبالًا حافلًا، ولكنه لاحظ أن أكثر النواب لا يصلّون، كما أن مصطفى كمال يسلك سلوكًا معاديًا للإسلام، فقرر أن يطبع بيانًا تضّمن عشر مواد، وجهه إلى النواب، واستهله بقوله:

"يا أيها المبعوثون.. إنكم لمبعوثون ليوم عظيم".

وكان من أثر هذا البيان الذي ألقي على النواب، أن ستين نائبًا قاموا لأداء فريضة الصلاة، والتزموا الدين، الأمر الذي أغضب مصطفى كمال فاستدعى النورسي وقال له:

"لاشك أننا في حاجة ماسة إلى أستاذ قدير مثلك، ولهذا دعوناك إلى هنا للاستفادة من آرائك السديدة، ولكن أول عمل قمت به هو الحديث عن الصلاة.. لقد كان أول جهودك هنا هو بث الفرقة بين أهل المجلس".

فأجابه بديع الزمان، مشيرًا إليه بإصبعه في حدّة.

"باشا.. باشا.. إن أعظم حقيقة تتجلى بعد الإيمان هي الصلاة، وإن الذي لا يصلي خائن، وحكم الخائن مردود".

عندها فكّر مصطفى كمال بإبعاده عن العاصمة، فعيَّنه واعظًا عاما للولايات الشرقية، وبمرتب مُغْرٍ، ولكن النورسي رفض الوظيفة والراتب.

كتب النورسي ونشر في هذه المرحلة عدة كتب ورسائل منها: إشارات الإعجاز- والسنوحات- والطلوعات- ولمعات وشعاعات من معرفة النبي صلى الله عليه وسلم وسواها باللغة العربية.

المرحلة الثانية من حياته:

في عام 1923 غادر النورسي مدينة أنقرة إلى مدينة"وان"حيث انقطع للعبادة في إحدى الخرائب المهجورة على جبل"أرك"ولم يدر شيئًا عن الأعاصير التي تنتظره.

وجاء من يدعوه إلى تأييد ثورة الشيخ سعيد بيران ضد الحكومة الكمالية العلمانية المعادية للإسلام، فأبى تأييدها، ولكن هذا الموقف، وذلك الانقطاع للعبادة، لم ينجياه من غضب حكومة أنقرة التي أمرت بالقبض عليه، ونقله إلى إستانبول، ومن ثَمَّ إلى مدينة"بوردور"ثم إلى"بارلا"في جو بارد من شتاء عام 1926 القارس، فقد كان الجو باردا، ومياه البحيرة متجمدة وأحد جذافي القارب الذي يحمله إلى منفاه في المقدمة يكسر الثلوج بعصا طويلة في يده، ليفتح بذلك طريقا للقارب الشراعي.

وفي بارلا بدأت المرحلة الثانية من حياة بديع الزمان، وهي المسماة مرحلة سعيد الجديد وقد كانت حافلة بالاتهامات والملاحقات والمطاردات والسجون والمعتقلات والمحاكمات والمنافي، مما لم يمر في حياة إنسان وهو صابر محتسب، يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، شعاره في ذلك:

"أعوذ بالله من الشيطان والسياسة".

وفي هذه البلدة صنع له أحد النجارين غرفة خشبية صغيرة غير مسقوفة، وضعت بين أغصان شجرة الدلب العالية حيث كان النورسي يقضي فيها أغلب أوقاته في فصلي الربيع والصيف، متعبدا لله، متأملًا متفكرًا، وعاكفًا على تأليف رسائل النور طوال الليل، والناس يسمعون همهمات العالم العابد المتهجد، ولا يستطيعون الاختلاط به ومحادثته، والإفادة من علمه، لأن هذا محظور عليهم وسوف يكلفهم كثيرًا.

أمضى النورسي في"بارلا"ثماني سنوات ونصف السنة، ألَّفَ فيها أكثر رسائل النور، وهو يعاني من عدة أمراض، ولا يشتهي الطعام، بل كان يكتفي من الطعام بكسيرات من الخبز مع قليل من الحساء"الشوربة"ولا يقبل هدية ولا تبرعًا ولا زكاة من أحد... كان- كما قال عن نفسه- يعيش على البركة والاقتصاد.

وفي هذه المرحلة كان يؤلف ويكتب باللغة التركية المكتوبة بالحروف العربية، ويأمر تلاميذه بالكتابة بالحروف العربية، حفاظا عليها من النسيان، فقد كان أتاتورك قد ألغى الكتابة بالحروف العربية واستبدل بها الحروف اللاتينية.

وقد أسهمت النساء بنسخ الرسائل- الكتب- التي كان يمليها بديع الزمان على بعض تلاميذه في غفلة من الرقباء لأنه كان منفيا وموضوعا تحت الرقابة، ثم يقوم هؤلاء بتهريبها إلى النساء، ليسهرن في استنساخها، ويقضين الليالي في ذلك، حتى إذا أنجزنها، سارت بها ركبان طلبة النور في طول البلاد التركية وعرضها.

ورسائل النور هذه تدعو إلى إنقاذ الإيمان، وعودة الإسلام إلى الحياة.

وتصدى بها للعلمانيين والقوميين والسياسة الميكيافيلية القائمة على التزلف والنفاق والمصالح الشخصية. السياسة التي نَحَّتِ الدين جانبا، وولَّى أصحابها وجوههم نحو أوروبا، والسير في ركابها. ولهذا رأيناه في هذه المرحلة، يقف- بكل قوة- في وجه التيارات الإلحادية الشاملة، برغم ضراوة الهجمة وشراستها، وبرغم ما تعرَّض له من نفي وسجن واعتقال.

وهذا يعني، أن شعاره في هذه المرحلة:"أعوذ بالله من الشيطان والسياسة"لا يعني أنه تخلَّى عن السياسة فعلا، بل أراد به حماية تلاميذه من شرور الأشرار السياسيين، ومع ذلك، لم ينجح هو ولا تلاميذه من الملاحقة والمحاكمات والسجون التي أطلق عليها النورسي وتلاميذه اسم: المدرسة اليوسفية.

وقد جاء في قرار اللجنة المدققة لرسائل النور في مدينة (دنيزلي) :

"ليس لبديع الزمان فعالية سياسية، كما لا يوجد أي دليل على أنه يؤسس طريقة صوفية، أو قائم بإنشاء أي جمعية، وإن موضوعات كتبه تدور كلها حول المسائل العلمية والإيمانية وهي تفسير القرآن الكريم".

-عندما أطلق سراحه في الخمسينيات، كان في السابعة والسبعين من العمر، وكان يقول لزائريه أو الذين يرغبون في زيارته:

"كل رسالة- من رسائل النور- تطالعونها، تستفيدون منها فوائد أفضل من مواجهتي بعشرة أضعاف"..

وكان قد طلب أكثر من مرة من تلاميذه طلبة النور، ألا يربطوا الرسائل بشخصه الضعيف، فيحطوا من قيمتها، لأن للإنسان أخطاء وعيوبا قد سترها الله عليه.

كما كان يدعو تلاميذه إلى عدم التعلق به، لا في حياته، ولا بعد مماته، فذلك له أضرار جسيمة على الدعوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت