3.أن الإعداد للجهاد والأخذ بأسباب القدرة والقوة واجب على الأمة بحسب الاستطاعة، خاصة عند العجز عنه، مع لزوم تحديث النفس به والحزن على فواته قال تعالى: ]وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ [ [التوبة: 92] ، وينطبق على الإعداد ما ينطبق على الجهاد من شروط القدرة ومراعاة المصلحة.
4.مراحل تشريع الجهاد: في السنة الثانية من الهجرة فرض الله القتال و أوجبه بقوله تعالى: ]كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ [البقرة: 216] ، وقد مر الجهاد بعدة مراحل:
الأولى: الكف والإعراض والصبر على الأذى مع الاستمرار في الدعوة.
الثانية: إباحة القتال من غير فرضية.
الثالثة: فرض القتال على المسلمين لمن يقاتلهم فقط.
الرابعة: قتال الكفار ابتداءً.
وقد استقر أمر الجهاد على المرحلة الأخيرة التي ذكرت في سورة التوبة وهي قتال المشركين حتى يسلموا وقتال أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يدفعوا الجزية مع الذل والصغار -على الخلاف المشهور في جواز قبول الجزية من الكفار غير اليهود والنصارى والمجوس- وقد فهم البعض القول بالنسخ فهمًا غير صحيح فأنكر المرحلية بالكلية، وهذا ما قرره أهل العلم يقول ابن تيمية: (فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين وبآية قتال الذين أتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ، والنسخ عند السلف يشمل التقييد والبيان والتخصيص ولا خلاف بين العلماء في العمل بمراحل الجهاد وإلا فالسلف لا يكلفون المستضعف من المسلمين الذي حاله مشابهة بحال النبيe في مكة بالقتال وإنما الواجب عليه أن يجتهد لكي يصل إلى حال قوة يجاهد فيها الكفار, وكيف يكون الجهاد واجبًا على الناس وهم غير قادرين ولا مستطيعين؟ فالواقع هو الذي يحدد أي الأحكام هو الأنسب في مراحل الجهاد وأن التطبيق بحسب الظروف الموجودة فلا بد من النظر بعين الاعتبار لحالة المسلمين وماهم عليه من ضعف أو قوة.
وقد تكلم العلماء في جواز مهادنة الكفار بمال عند ضعف المسلمين قال ابن قدامة: (لا يجوز المهادنة مطلقًا من غير تقدير مدة لأنه يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية وتجوز مهادنتهم على غير مال لأن النبيe هادنهم يوم الحديبية على غير مال لهم ويجوز ذلك على مال يأخذه منهم فإنها إذا جازت على غير مال فعلى مال أولى وأما إن صالحهم ببذله لهم فقد أطلق أحمد القول بالمنع منه وهو مذهب الشافعي لأن فيه صغارًا للمسلمين وهذا محمول على غير حالة الضرورة فأما إذا دعت إليه ضرورة وهو أن يخاف على المسلمين الهلاك أو الأسر فيجوز لأنه يجوز للأسير فداء نفسة بالمال فكذا ههنا ولأن بذله المال وإن كان فيه صغار فإنه يجوز تحمله لدفع صغار أعظم منه وهو القتل والأسر وسبي الذرية الذي يفضي سبيهم إلى كفرهم) ، وهذا الكلام من الأئمة الأعلام رد بليغ على التهور والاندفاع المفضي إلى الشر والفساد.
وقد بين أهل العلم أن العجز كما يشمل العجز الحسي كالأعذار المنصوص عليها في القرآن من المرض والعمى والعرج والضعف وعدم النفقة فإنه يشمل كذلك مسألة الضرر والهلاك الذي يغلب على الظن حصوله لضعف المسلمين ونقص قوتهم عن نصف قوة عدوهم قال تعالى: ]الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [ [الأنفال: 66] ، قال النووي رحمه الله (روضة الطالبين 10- 248) : (إذا زاد عدد الكفار على مثلي المسلمين جاز الانهزام...) وقال: (وإذا جاز الفرار نظروا إن غلب على ظنهم أنهم إن ثبتوا ظفروا استحب الثبات وإن غلب على ظنهم الهلاك ففي وجوب الفرار وجهان وقال الإمام: إن كان في الثبات الهلاك المحض من غير نكاية وجب الفرار قطعًا وإن كان فيه نكاية فوجهان) ، وهذا الذي قاله الإمام النووي هو الحق وأصح الوجهين أنه لا يجب أي الفرار ولكن يستحب، ومن هذا يتضح أن الجهاد بمفهومه الصحيح في واقعنا اليوم لن يقوم على أكتاف أفراد قلائل بلا قوة بل إن جهاد المئة والمئتين ضرره أكثر من نفعه.
هل الجهاد هو الخروج على الحكام فقط؟
الجهاد إذا أطلق فالمراد به قتال الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى ولا ينصرف إلى غير قتال الكفار إلا بقرينة تدل على المراد ، فهو كما يقول ابن القيم أربع مراتب: (جهاد النفس وجهاد الشيطان وجهاد الكفار وجهاد المنافقين فجهاد النفس مقدم على جهاد العدو فإن من لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أمرت به وتترك ما نهيت عنه ويحاربها في الله لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج فكيف يمكن جهاد عدوه والانتصاف منه وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له متسلط عليه لم يجاهده ولم يحاربه في الله) ، ويقول الشيخ ابن باز: (الجهاد جهادان جهاد طلب -أى طلب الكفار في عقر دارهم- وجهاد دفاع والمقصود منهما جميعا هو تبليغ دين الله ودعوة الناس إليه وإخراجهم من الظلمات إلى النور وإعلاء دين الله في أرضه وأن يكون الدين لله وحده) ، ومن هنا تكون الدعوة إلى الله جهادًا شرعيًا قال تعالى: ]فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [ [الفرقان: 52] ، والآية مكية وعلينا أن ننظر إذا أتى الحاكم ما يستوجب العزل هل عندنا الاستطاعة على عزله أم لا وهل المصلحة متحققة بهذا العزل أم أن هذا المنكر سيزول بمنكر أعظم، فقد نزيل كافر أو نستجلب الشر والبلاء على البلاد والعباد ويتسلط الكفار على رقاب الناس، ومن المعلوم أن شرع الله مصلحة كله ولذلك لم يقتل النبيe ابن سلول -رأس المنافقين- وقال:"كيف إذا تحدث الناس أن محمدًا قتل أصحابه".
الجهاد له سبيله وصراطه:
حاجتنا شديدة لسلوك صراط الله المستقيم حتى ننتقل من ضعف إلى قوة ومن ذل إلى نصر ولا بد في ذلك من اتباع السياسة الشرعية في حال الضعف والقوة وهذه السياسة يجب أن تكون ربانية وعلى منهج الأنبياء فالغاية في الإسلام لا تبرر الوسيلة بل الغاية والوسيلة كلاهما يجب أن تكون مشروعة وليس التمكين في الأرض بغاية مقصودة لذاتها بل هي من وسائل الدعوة لتحقيق العبودية لله في أكمل صورها، وهو في ذات الوقت منة من الله ليس بيد أحد سواه قال تعالى: ]الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [ [الحج: 41] ، والواجب علينا أن نعيش طاعة الوقت سواء مكن لنا أو لم يمكن، ونحذر الابتداع والانحراف، وأول ما بدأ به الرسل في دعوتهم الدعوة إلى الإيمان والتوحيد يقول الشيخ الألباني رحمه الله: (الواجب هو العمل للأهم فالأهم والأهم هنا هو إصلاح عقائد المسلمين وتزكية النفوس والدعوة على أساس التصفية من البدع والتربية على التوحيد) .