فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 3028

ولابد لنا أن نتعلم أحكام الجهاد فلابد من نية وصحة أو إخلاص ومتابعة وكما أن للصلاة شروطًا يحرص المسلم على تحقيقها كالطهارة واستقبال القبلة وستر العورة ودخول الوقت فكذلك لا يصح الجهاد بغير تحقيق شروطه، والقتال إنما يكون بين معسكرين وجيشين وفريقين أحدهما مسلم والآخر كافر أو مستحقة للقتال، وأما عند الاختلاط فلابد أن تضيع دماء المسلمين وتحدث المفسدة ولا تتحقق الغاية.

لهذه الأسباب وغيرها بدأ النبيe جهاده بالدعوة وإعداد المؤمنين إعدادًا روحيًا وبدنيًا لتحمل أعباء الجهاد بالسيف، ثم كانت الهجرة حيث بدأ جهاده بالسيف وتوالت عليه أحكام الجهاد، فينبغي علينا أن نتعلم سنن الجهاد حتى لا تتحول ديارنا إلى ساحة حرب بين المسلمين أنفسهم وحتى لا يكون حماسنا وطموحنا على حساب سنن الله في النصر والهزيمة, ولا يدفعنا التهور إلى الوقوع فيما وقع فيه غيرنا وقد نهى النبيe عن دخول مكة في السنة السادسة عام الحديبية حفاظًا على حرمة المسلمين الذين كانوا سيقتلون مع من يقتل وتأخر بذلك الفتح سنتين علمًا بأن مكة يومئذ دار حرب والكعبة كانت مليئة بالأصنام ولو حدث قتال -يوم الحديبية- لانتصر المسلمون على المشركين وفي ذلك يقول الله تعالى: ]وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [ [الفتح: 22] ، واليوم نحتاج لدعوة تضيف لإمكانات العاملين لكي نحبس بها دماء المسلمين وحتى لا نخرج من نكبة إلى نكبة ومن فتنة عمياء إلى أخرى أشد عمى ونكون كمن يلدغ من نفس الجحر ألف مرة فالمنكر يخلفه من المنكرات والآثام والمصائب ما يتضاءل أمامه المنكر المزال وبذلك نخرج من بلاء أقل إلى بلاء أعظم وينفر الناس عن الدين الذي يرونه وسيلة للفتنة والقتل.

ثالثًا: من يرى التركيز على العمل الفردي في الدعوة والتربية

يتبنى هذا المنهج بعض الدعاة الذين يرون أن الدور الأساسي للدعاة والعلماء هو إصلاح أفراد الأمة -مع الاختلاف حول أولويات الإصلاح- فالبعض يراه في إصلاح العقيدة ونشر العلم والبعض يراه في التربية على العبادة والذكر وفضائل الأعمال ويرون أن انتشار الأفراد الصالحين في مجتمع كفيل بإصلاحه تلقائيًا ومن بين أصحاب هذا المنهج من لا يرون مشروعية العمل الجماعي أو على الأقل يحصرونه في صور محدودة لا يتعداها ويرون أن مضار الجماعات الإسلامية -خاصة الحزبية والتعصب وكونها مستهدفة من الحكومات العلمانية- أكثر من منافعها، ولقد حقق هذا المنهج بعض الإيجابيات منها: إيجاد أفراد ملتزمين ونشر العلم ومبادئ الإسلام وأحاكمه بين قطاعات من الأمة، وأيضا التركيز على عدد محدود من الأفراد يمكن إعدادهم إعدادًا جيدًا من خلال المعاشرة الطويلة والمتابعة المستمرة، وكان للابتعاد عن الأحداث السياسية المعاصرة حتى بمجرد التعليق أثره الواضح في توفير قدر كبير من الحماية ضد ضربات الأعداء، ويؤخذ على هذا الاتجاه قصور النظر إلى نوع واحد من الواجبات الشرعية وإهمال واجبات أخرى نص عليها الكتاب والسنة وأجمع أهل العلم على فرضيتها ووجوب السعي إلى إقامتها مع كون الكثير من هذه الواجبات يمكن القيام به أو بشيء منه على الأقل إذا اجتمعت الجهود وتضافرت إذ أن فروض الكفاية من التعلم والتعليم والحسبة وسد حاجات الفقراء والمساكين والأرامل وغيرهم وفصل الخصومات وفق شرع الله وإيصال الحقوق إلى أصحابها والسعي إلى إقامة الخلافة والجهاد وغير ذلك من فروض الكفاية المضيعة -التي استفاضت أدلة كل منها كتابًا وسنة- لا يمكن أن يقام إلا على جهة الاجتماع والتعاون الملزم وليس المطلوب إقامته في جزء صغير من الأمة بل الواجب شرعًا إقامة كل ذلك في كل مكان وزمان تمكن إقامته فيه وفي كل القطاعات من المجتمع وعلى أوسع نطاق ممكن في المسجد والمدرسة والجامعة والمصنع وأصحاب المهن وغير ذلك.

كما يؤخذ على كثير من أصحاب هذا الاتجاه ترك الإنكار على المنكرات التي تتبناها الحكومات وتنشرها بين الناس كقضية الحكم بغير ما أنزل الله ومسائل الولاء والبراء ونشر الغزو الفكري والتعبية للمبادئ الوضعية للغرب، ولا يصح التعلل بتوفير الحماية للدعوة فإن الدعوة تفقد هويتها إذا رأت الناس يقعون في الضلال بل في الشرك وهي لا تحرك ساكنًا وكأن الأمر لا يعنيها من قريب أو بعيد.

كما يؤخذ على أصحاب هذا المنهج المبالغة في تضخيم سيئات الجماعات الإسلامية والإجحاف بمنافعها ومحاسنها، فجعلت علاج المريض قتله أو إيقاف قلبه، إذ أن جماعات الصحوة الإسلامية هي قلب الأمة النابض بالحياة بعد أن فقد الجسد كله مظاهر الحياة، وكم كانت هذه الجماعات الإسلامية سببًا لهداية الشباب والشيوخ والنساء والأطفال وعودتهم إلى دينهم.

الدعوة السلفية والتغيير

وقبل أن نطرح تصورنا في التغيير نقرر أن واقعنا لا يزال أصغر بكثير من منهجنا، وأن حالنا أبعد عما نعلم أن يلزمنا أن نكون عليه، ولكن الواجب النصيحة، والأمل في أن يكون الجميع على الطريق المستقيم -ولو كان سيره بطيئًا لا خارجًا عنه- هو الذي يدفعنا إلى هذا الطرح، فمنهج الدعوة السلفية يمكن تلخيصه في الآتي:

أولًا: الدعوة إلى الإيمان بمعانيه وأركانه كلها من معرفة الله بأسمائه وصفاته والتعبد له بها وتوحيد الربوبية والألوهية والكفر بالطاغوت ومحاربة الشرك في كل صوره القديمة والحديثة من شرك القبور والخرافات وشرك الحكم والولاء وغير ذلك، وكذا الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقضاء والقدر، وما يتبع ذلك من قضايا الاعتقاد في الصحابة ومسائل الإيمان والكفر، وتحقيق الاتباع للسنة ومحاربة البدعة، وتقرير مناهج الاستدلال وتحقيق التزكية عبادة وخلقًا ومعاملة والسير في طريق الدعوة وإقامة الدين وإعلاء كلمة الله في الأرض، كل هذا على وفق منهج أهل السنة والجماعة إجمالًا وتفصيلًا.

نقرر أن الدعوة إلى الإيمان بهذا المفهوم الشامل هي أصل دعوة الرسل وهي الطريق الذي سار عليه رسول اللهe وصحابته، فهذا المنهج هو أولى الأولويات في العمل، والذي لا يتحقق أي واجب بعده بدون هذا الواجب الأول، وهذا المنهج تجب الدعوة إليه بكل الطرق وتربية الناس عليه بالوسائل العامة كالخطبة والدرس الجامع والكتاب والنشرات العامة وقوافل الدعوة وغير ذلك من الوسائل الخاصة كالدرس الخاص والمعاهد العلمية والمجموعات التربوية وغيرها.

ثانيًا: إيجاد الطائفة المؤمنة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت