أولهما: خدمته الشخصية ومنفعته الخاصة وتثبيته لوضعه ولأبناءه من بعده.
ثانيهما: تأثره بالغرب وانبهاره بحضارة أوروبا التي أمعن في تقليدها ليلحق بركابها ويلقى مساعدتها ومودتها.
سياسات محمد علي الداخلية:
بعد أن نجح محمد علي في توطيد نفسه في الحكم أحاط نفسه ببطانة ومساعدين من نصارى الأروام والأرمن وكتبة من الأقباط واليهود، واستجلب لنفسه مماليك جعلهم حكامًا للأقاليم، وكان في كل ذلك مستنفرًا لجموع المسلمين المصريين ومعبرًا عن عدم الاهتمام أو الاكتراث بهم وبخاصة أن هؤلاء المساعدين قد أعانوه على سياسته الاستبدادية بين الفلاحين وصف الجبرتي ذلك بقوله: ( فتح بابه للنصارى من الأروام والأرمن فترأسوا بذلك وعلت أسافلهم، كما أنه كان يحب السيطرة والتسلط ولا يأنس لمن يعارضه) .
وسلك محمد علي واتباعه من غير المسلمين سياسة من أبرز علاماتها الظلم والقهر والاستعباد ضد جموع الشعب المصري ، فجمع حجج الأرض من الفلاحين وفرض عليهم السخرة، أو دفع ضريبة بديلة وحرم عليهم أن يأكلوا شيئًا من كد أيديهم، وأبطل التجارة، وزاد في اسعار المعايش أضعافًا مضاعفة، وفرض الضرائب التي لايطيقون دفعها، وجعل كل نشاط اقتصادي يؤول إليه، ونقم على الناس، وارجع الجبرتي ذلك الى مايتسم به محمد علي من"داء الحسد والشره والطمع والتطلع لما في أيدي الناس وأرزاقهم". وقد نتج عن هذه السياسة كره الفلاحين الشديد لمحمد علي وأعوانه، وهروبهم من الأراضي الزراعية، وترك قراهم فرارًا من السياسة الظالمة، وأعرضوا عن الاشتراك في جيشه فقد بلغ عدد الفلاحين الفارين في عام واحد هو عام 1831م ستة آلاف فلاح.
أما في المدن وبخاصة في القاهرة فيذكر الجبرتي أن محمد علي حين كلف الناس بتعميرها (اجتمع على الناس عشرة أشياء من الرذائل وهي السخرة والعونة وأجرة الفعلة والذل والمهانة وتقطيع الثياب ودفع الدراهم وشماتة الاعداء وتعطيل معاشهم وأجرة الحمَّام) .
لقد كان الجبرتي معاصرًا لسياسة الظلم التي مارسها محمد علي على الشعب المسلم في مصر الذي امتص حقوقه وخيراته وفتح للتجار الأوروبيين الباب على مصراعيه لدخول مصر والهيمنة على اقتصادها، وأصبحت مصر هي المزرعة التي تعتمد عليها أسواق أروربا من المنتجات الزراعية وارتبطت مصر بأوروبا ارتباطًا حضاريًا وتجاريًا، وأصبح اعتماد طبقة التجار الناشئة في مصر على الاسواق الأوروبية من الناحية الاقتصادية وبالتالي السياسية ، الى جانب تمكين دعاة الثقافة الأوروبية من السيطرة على الحياة الفكرية بعد أن شل دعاة الاتجاه الاسلامي، وأوقف مناهج التعليم القائمة على الدين تنفيذًا لسياسية نابليون الماسونية، وهو أمر أكده المؤرخ الانجليزي أرنولد تويني في قوله:
(كان محمد علي ديكتاتورًا أمكنه تحويل الآراء النابليونية الى حقائق فعالة في مصر) .
لقد حقق الاستعمار الأوروبي هدفه في الاستفادة من المنشآت والاصلاحات المادية التي قام بها دميتهم محمد علي، أما شعب مصر المسلم فقد سيطر عليه اليأس ودفع ثمنًا باهظًا يفوق حجم كل اصلاح وهو تحطيم هويته الحضارية التي صقلها الاسلام والتي ميزت دروه خلال العصور الاسلامية.
وفتح باب الدعوة الى الوطنية والقومية ومارس سياسة التضيق على دعاة الفكر الاسلامي من العلماء والمشايخ فكان هذا الاتجاه مسايرًا لمساعيه الرامية الى الاستقلال بمصر وبالتالي إبعادهاعن الارتباط بدولة الخلافة الاسلامية، وقد لقي في اتجاهه هذا عونًا من المحافل الماسونية التي يعتبر هذا الاتجاه من صلب أهدافها.
ومن أبرز الذين عاونوه في هذا الاتجاه الشيخ حسن العطار سنة 776هـ/1835م الذي تشير الدلائل على انضمامه للمحفل الماسوني المصري، فقد كان العطار يري أن البلاد (لابد أن تتغير أحوالها ويتجدد بها من المعارف ماليس فيه) ، وكانت وجهته في هذا التغيير هو الاتجاه الكامل الى الثقافة الأوروبية بعد ان عجز - في رأيه- المشايخ والعلماء عن مواصلة جهود المسلمين الأوائل.
وتبع العطار في هذا الاتجاه تلميذه رفاعة الطهطاوي (1801-1873م) حيث ابتعثه محمد علي الى فرنسا خمس سنوات (1826-1831م) عاد بعدها لنشر ما يذكي الفكرة الوطنية وغيرها من الافكار الاجتماعية التي عايشتها فرنسا والتي لم تكن تتلاءم مع أوضاع المجتمع المرتبط بالفكر الاسلامي، وقد بدت هذه الافكار في العديد من القصائد التي نظمها وكذلك الكتب التي ترجمها بعد توليه الاشراف على مدرسة الألسن، لقد تاثر الطهطاوي بتيارات الفكر الأوروبي من أقصى اليمين الى أقصى اليسار بشكل فاق تأثره بالفكر الاسلامي، حيث أبدى في عديد من كتاباته ، وفي كافة مراحل حياته، إعجابه بأفكار الحرية والمساواة وضرورة الاعتماد على العقل .
لقد تبني الطهطاوي ما دعا إليه نابليون إبان حملته الشهيرة، كما أظهر تأثرًا وإعجابًا بآراء مونتسكيو، وتشبعه بالفكر الماسوني.
وتبع الطهطاوي في ذلك كثيرون ممن واصلوا الدعوة إلى الوطنية والى ضرورة الاتجاه الكامل إلى الحضارة الغربية من أمثال (علي مبارك) و (إبراهيم أدهم) و (صالح مجدي) و (محمد عثمان جلال) و (عبد الله أبو السعود) و (عبد الله فكري) و (طه حسين) وغيرهم ، وواصل الجميع هجومهم على التيار الإسلامي من كافة الجوانب .
دور محمد علي في ضرب الإسلام:
لقد قام محمد علي نيابة عن الدولة الصليبية المهووسة بعداء الإسلام في ذلك الوقت مثل فرنسا وروسيا وبريطانيا بتوجيه ضربات موجعة للاتجاه الإسلامي في كل من مصر والجزيرة العربية والشام والخلافة العثمانية مما كان له الأثر في تهيئة العالم الإسلامي للأطماع الغربية، وهذا الدور الخبيث تمثَّل في عدة نقاط قام بها محمد علي:
1 ـ ضربه لجبهة العلماء داخل مصر واتخاذ أقذر الوسائل من قتل ونفي وتشريد وقطع أرزاق وتلفيق تهم وتشويه رغم أن العلماء هم الذين جاءوا به للسلطة .
2 ـ حربه ومقاتلته لحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية بناءً على طلبات الدول الصليبية التي ضاقت من مد إسلامي وبعث جديد للإسلام الصحيح النقي .
ولكن ما آلت إليه هذه الدعوة المباركة من التمكين في الأرض والانتشار بعد ذلك كان على عكس ما سعى إليه محمد علي و بنوه من بعده ، وحقيقة حرب محمد علي للدعوة السلفية لم تكن بين قوات يدين طرفاها بالإسلام بل كانت حرب بين موحدين مؤمنين ومجرمين مارقين ، كان كثيرًا منهم من لقطاء نصارى الدول الغربية و بعض دول آسيا الصغرى على نمط القوات الانكشارية الني كان العثمانيون يستعملونهم للخدمة العسكرية في الأماكن النائية .
واسمع ما يقوله الجبرتي في وصف الهزيمة التي وقعت على جيوش محمد علي في أول الأمر على يد السلفيين: ( أين لنا النصر وأكثر عساكرنا على [غير الملة] وفيهم من لا يتدين بدين أصلًا، ولا ينتحل مذهبا ، وصحبتنا صناديق المسكرات ولا يسمع في عرصتنا أذان ولا تقام به فريضة، والقوم ـ يقصد الوهابيين ـ إذا دخل الوقت أذن المؤذنون وينتظمون صفوفًا خلف إمام واحد بخشوع وخضوع وينادون في معسكرهم هلموا إلى حرب المشركين المحلقين الذقون المستبيحين الزنا واللواط الشاربين الخمور وكشفوا عن كثير من القتلى فوجدوهم غلفًا غير مختونين ؟؟ ) .