إذن فالماسونية كان لها دور خطير في تمهيد الطريق لمحمد علي لتولي الحكم في مصر ، و لذلك فقد قد سمح محمد علي للمحافل الماسونية بالنشاط والتوسع داخل مصر وانتشرت في الشام أيضًا، فلقد أنشأ الماسونيون الإيطاليون محفلًا بالإسكندرية سنة 1830هـ على الطريقة الإسكتلندية.
و الناظر لسياسة محمد علي الخارجية والداخلية يجد أنها تدور في فلك خدمة الماسونية العالمية فلقد كان محمد علي ثعلبًا ماكرًا همه نفسه وأولاده من بعده، ولذلك قام بأعمال شنيعة وأفعال قبيحة في إضعاف الأمة والقضاء على شوكتها وتنفيذ مخططات فرنسا وبريطانيا ، وحرص على أن يجمل صورته في أعين الغرب بل ويفكر كما قال عن نفسه: (يفكِّر بعقل إفرنجي ، بينما هو يلبس القبعة العثمانية") ."
كما أن تطور الأحداث يشير الى تشبع محمد علي بالأفكار الماسونية التي كان مهيأ لها بحكم تكوينه الطبيعي فينقل عنه قوله وهو يفاوض الفرنسيين على مسألة احتلال الجزائر: (ثقوا أن قراري ... لا ينبع من عاطفة دينية فأنتم تعرفونني وتعلمون أنني متحرر من هذه الاعتبارات التي يتقيد بها قومي ... قد تقولون أن مواطني حمير وثيران وهذه حقيقة أعلمها) .
يقول الاستاذ محمد قطب ـ عن محمد علي ـ: (واحتضنته ـ أي الماسونية ـ احتضانًا كاملًا لينفذ لها كل مخطاطتها: ؛ فأنشأت له جيشًا مدربًا على أحدث الأساليب ومجهزًا بأحدث الأسلحة المتاحة يومئذ بإشراف سليمان باش الفرنساوي .
لقد كانت المصالح الفرنسية ترى دعم محمد علي ليتحقق لها أطماعه المستقبلية في حفظ وتقوية محافلها الماسونية ، وإضعاف الدولة العلية العثمانية، وزرع خنجرها المسموم في قلب الدولة العثمانية ولذلك أنشأت لمحمد على اسطولًا بحريًا متقدمًا متطورًا، وترسانة بحرية في دمياط، والقناطر الخيرية لتنظيم عملية الري في مصر، أو لمحمد علي، إنما كان لتنفيذ المخطط الصليبي الذي فشلت الحملة الفرنسية عن تنفيذه بسبب اضطرارها الى الخروج.
لقد قام محمد علي بدور مشبوه في نقل مصر من انتمائها الاسلامي الشامل الى شيء آخر يؤدي بها في النهاية الى الخروج عن شريعة الله وكانت تجربة محمد علي قدوة لمن بعده من أمثال مصطفى كمال أتاتورك وجمال عبد الناصر...الخ.
إن المسلم الحق لا يمكن أن يقوم بمثل هذا الدور لا واعيًا ولا مستغفلًا ، لأن إسلامه يمنعه أن يتلقى التوجيه من أعداء الإسلام.
لقد كان أعداء الاسلام يريدون القضاء على الدولة العثمانية، والقيام بتغريب العالم الاسلامي مع الاهتمام الخاص ببلد الأزهر ليقوم بتصدير أفكارهم الى بقية الشعوب الاسلامية، فأما القضاء على الدولة العثمانية فقد ساهم في إضعافها وإهدار طاقاتها، واسقاط هيبتها وتعدي على حرماتها وأما التقارب مع الأعداء والسير في فلكهم الفكري والحضاري والإنسلاخ التدريحي عن الانتماء العقدي والفكري والأخلاقي فقط قطع فيه شوطًا مدحه عليه حلفائه من الماسون الفرنسيين والبريطانيين وانهزم أمام الغزو الفكري المنظم وقام بتنفيذ سياسة الابتعاث بإرسال الطلاب الشبان الى أوروبا ليتعلموا هناك، وكان هذا من الأمور الخطيرة المنافذ التي دخل التوجه العلماني من خلالها، فدخل ساحة التلعيم ومن ثم في ساحة الحياة في مصر الاسلامية وأهمل الأزهر وشيوخه وعلمائه واهتم بإرسال الشبان الصغار بأعداد متزايدة الى أوروبا وهم في سن المراهقة، غير محصنين بشيء لينغمسوا في الشهوات، ويتأثروا بالشبهات ثم يرجعوا الى بلادهم ليكونوا رأس الحربة المتجهة الى الغرب، لقد أرس معهم مع البعثات أئمة يؤموا الطلاب في الصلاة ولكن ماذا عملوا الأئمة؟ لقد كان رفاعة رافع الطهطاوي واحدًا من أولئك الأئمة ولكنه عاد وهو واحد من دعاة التغريب ، وعندما استقبله أهله بالفرح يوم عاد من فرنسا بعد غيبة سنين؛ فأشاح عليهم في ازدراء ووسمهم بأنهم (فلاحون) لايستحقون شرف استقباله .
ثم ألف كتابه الذي تحدث فيه عن أخبار (باريس) ودعا فيه الى تحرير المرأة الى السفور، والى الاختلاط ، وأزال عن الرقص المختلط وصمة الدنس، فقال إنه حركات رياضية موقعة على أنغام الموسيقى، فلا ينبغي النظر إليه على أنه عمل مذموم .
لقد استغرقت عملية الانتقال التدريحي مايقرب من قرن من الزمان، ولكنها كات عملية مستمرة لا تتوقف ، بل تتوسع على الدوام .
لقد كان محمد علي ثعلبًا ماكرًا همه نفسه وأولاده من بعده ولذلك قام بأعمال شنيعة، وأفعال قبيحة في إضعاف الأمة، والقضاء على شوكتها وتنفيذ مخططات فرنسا وبريطانيا وحرص على أن يجمل صورته في أعين الغرب ويقفوا آثارهم في التحديث بل ويفكر كما قال عن نفسه (بعقل افرنجي وهو يلبس القبعة العثمانية) .
لقد قام محمد علي نيابة عن فرنسا وبريطانيا وروسيا والنمسا وغيرها من الدول الأوروبية بتوجيه ضربات موجعة للاتجاه الاسلامي في كل من مصر، والجزيرة العربية، والشام ، والخلافة العثمانية مما كان لها الأثر في تهيئة العالم الاسلامي للأطماع الغربية.
وقد شهد عصر محمد علي على تأسيس أكثر من محفل ماسوني في مصر فقد أنشأ الماسون الإيطاليون محفلًا بالاسكندرية سنة 1830م، على الطريقة الاسكتلدنية وغيرها كثير.
و من ثم انتشرت المحافل الماسونية في مصر والشام وتركيا وكانت تعمل ليلًا ونهارًا من أجل تفتيت وإضعاف الدولة العثمانية بمعاولها الفاسدة التي لاتكل ولا تمل ) .
سياسات محمد علي العامَّة:
عندما انتسب الأمر لمحمد علي داخل البلاد أخذ في التخلص من منافسيه الذين كان على رأسهم العلماء فعمل على الوقيعة فيما بينهم وإضعاف شوكتهم بالإغراء وبالقتل والتهديد بقطع الأرزاق وبالنفي فعلى سبيل المثال:
1ـ نفى نقيب الأشراف عمر مكرم إلى دمياط سنة 1224هـ ، و الذي كان له الفضل عليه في تنصيبه واليًا على البلاد المصرية .
2ـ وعزل الشيخ عبد الله الشرقاوي شارح البخاري .
3ـ بينما ولَّى بعض العلماء ممن وجد فيهم ضالته من العلماء العملاء للسلطة حتى أنه قد أدخل بعض العلماء في المحافل الماسونية مثل الشيخ حسن العطار وغيره .
4ـ وبعد أن خضد شوكة العلماء أصحاب الثقل الشعبي اتجه للمماليك أعدائه السابقين فعمل لهم المكيدة المشهورة ، حين قام بمجزرة عظيمة أباد فيها المماليك ، في قصة"مذبحة القلعة"الشهيرة سنة 1226 هـ .
انجازاته:
درج بعض المؤرخين المعاصرين و بعض الشعوب الطيبة التي تصدق كل ما تسمعه وتقرأه على تمجيد الإصلاحات الكبيرة التي قام بها محمد علي داخل مصر حتى خلعوا عليه ألقابًا طنانة مثل باني مصر الحديثة وصاحب الإنجازات الحضارية ، القائد المستنير إلى غير ذلك من الأوصاف التي خدعت الكثير.
صحيح أن محمد علي أدخل زراعات وصناعات حديثة بمصر وأنشأ الأسطول ودعّم الجيش وأدخل النظم الحديثة في القتال، واهتم بالتعليم وأنشأ المدارس ونظم المواصلات ونشط التجارة ونظم الإدارة وبنى القناطر والسدود إلى غير ذلك من رفع لمستوى الدولة، ولكن هل قام محمد علي بذلك كله خدمة للإسلام والبلاد وطاعة لسلطانه ؟ أو تقديرًا لمنصبه وولايته؟ بالطبع كلا ..
ذلك لأن محمد علي كان يعتبر نفسه الدولة ، فالأرض أرضه والفلاحون زراع عنده يزرعون الأرض له ، و كذلك هو التاجر الذي تؤول إليه أموال التجارة كلها ، وهو مالك الصناعة الذي تؤول إليه أرباح الصناعات كلها.
بل كان الجيش الحديث بكل أسلحته لخدمته أغراضه التوسعية ونفسه وأولاده من بعده . و بالجملة فكل الإصلاحات التي أدخلها محمد علي على مصر كانت لسببين: