فإذا علمنا ان النظرية الماركسية ترفض وبشدة الإعتراف بالقوميات الخاضعة لها بزعم أن الشعور القومى إنما هو من نتاج البرجوازية الساعية إلى ربط الطبقات الأخرى بها لتسيرها لتحقيق مصالحها الخاصة - بالاضافة إلى عداء الماركسية للأديان - أدركنا لماذا عامل الشيوعيون المسلمين في بلادهم بالوحشية والعنف للقضاء عليهم حيث قاموا بتهجير مئات الالاف من السكان لتغيير الطبيعة السكانية للارض واضطهدوا العلماء المسلمين و أئمة المساجد - بل حولوا المساجد إلى متاحف - بالإضافة إلى فرض الفكر الشيوعى بالقوة وحظر نشر وتعليم الدين الإسلامى . ففى المادة 122 من القانون الجنائى للاتحاد السوفيتى السابق: تحريم تلقين الأطفال الأحداث العقائد الدينية في مدارس الحكومة أو المدارس الخاصة أو المعاهد التعليمية المختلفة . لذا فإنه ما إن سقط الحكم الشيوعى في الاتحاد السوفيتى ودول أوربا الشرقية طالبت هذه القوميات المسلمة باستقلالها فتعرضت لصورة بشعة من المذابح و الإعتداءات العسكرية لإبادة أهلها والحيلولة دون استقلالها وإنهاك قواها واستنزاف طاقتها على مرأى وسمع العالم كله.
دروس مستفادة:
لاشك أن ما تعرضت له الجمهوريات الإسلامية في اسيا وشرق أوربا مع وبعد الغزو الشيوعى لهى من الأحداث التى يجب على دعاة المسلمين أن يعتنوا بدراستها و الإتعاظ بها وتعلم الدروس المستفادة منها وتبصسر المسلمين بما يدبر لهم وكيف ينظر لهم الشرق والغرب على السواء وحتى لا تتكرر مثل هذه الأساة مرة أخرى . فمن هذه الدروس المعتبرة:-
• ( إن القهر وإن زاد لايطفىء دين الله رب العالمين) و (أن دين الإسلام باق لا بإبقاء أحد من الخلق له إنما بإبقاء الله رب العالمين ) و ( أن الإسلام قادم لأنه دين الله سبحانه) فهيا إلى الاسلام .
• (إن الله يخلق خلقة على الفترة) ف (الكل يولد على الفطرة مستعدا لقبول الإسلام ) بل إن الفطرة لاتزال فيه وإن أفسده المربون فإن تاب تاب الله عليه وإن رجع زال عنه ما ران على قلبه من اثار الجاهلية وحطامها ) .
• أن ( مهمة التربية لا تسقط عن كاهل الاباء والامهات فلا يمكن أن تتحملها عنهم المؤسسات أو المدارس والجامعات بل الاسرة النواة الأولى للطفل في مهده والمسجد المأوى الذى ينبغى أن تتعلق به قلبه هما اصل التربية( الأسرة والمسجد ) . ولا يجوز أن نعتقد أن غيرهما سيغنى عنهما إليهما ينسب كل إنحراف في التربية . فإما أن يكون الأنحراف بالتوجيه السىء من الاباء في الأقوال و الأفعال التى تخالف منهج الاسلام . وإما أن يكون الانحراف بالتخلى والترك حتى يقوم غيرهم بالتربية عنهم من وسائل إعلام مضللة أو توجيهات من غيرهم مفسدة فالإثم في كليهما على الاباء والامهات . يراجع في ذلك مقال الشيخ محمد صفوت نور الدين مجلة التوحيد إفتتاحية عدد ذى القعدة سنة 1412هجرية.
• أثبتت الأحداث والتجارب أن التاريخ البشرى لا يقبل فكرا وضعيا برمته وإن وقع هذا من قبل قطاع من البشر فإنه لايدوم أكثر من سنوات قليلة لا تكاد تذكر في سجلات تاريخ البشرية . يراجع في ذلك افكار ماركسية في الميزان ص18.
• (ان نجاح فكرة بعينها لا يعنى دائما صوابها ... فقد تنتشر الأفكار الخاطئة لمجرد أنها تلقى ترحيبا من غرائز الناس وأهوائهم .. وما أسهل تحريض الجياع على الشبعانين ... ثم أن النجاح في جانب لا يعنى النجاح في كل جانب فقد تنجح الثورة في بناء مصنع ثم تفشل في بناء إنسان ) يراجع في ذلك لماذا رفضت الماركسية: ص32.
نقلا عن كتاب الغزو الفكرى للاستاذ علاء بكر.
النظرية العالمية الثالثة ( الكتاب الأخضر)
ارتبطت الدعوة إلى القومية العربية في العالم العربى بالدعوة إلى الإشتراكية كنتيجة لتبنى جمال عبد الناصر داعية القومية العربية لمذهب الأشتراكية. وباسم هذه الإشتراكية نزع جمال عبد الأراضى الزراعية من كبار المالكين لتوزيعها على المعدمين من الفلاحين تحت شعار (الإصلاح الزراعى) وأمم المصانع والشركات الخاصة لتصير ملكا للدولة وأقام القطاع العام وحدد نسبة 50% للعمال والفلاحين في مجلس الأمة (الاتحاد الاشتراكى) ليتسنى لهم القيام بدور بارز في النشاط السياسى ونادى بمجانية التعليم ووضع (الميثاق) ليكون دستورا للعمل وسميت هذه الصورة من الإشتراكية باسم (الاشتراكية العربية) وجعل شعارها ( زيادة في الإنتاج وعدالة في التوزيع ) وهكذا كانت زعامة عبد الناصر للأمة العربية تتحرك من وحى عقيدة اشتراكية وقد تبلور هذا الفكر مكونا ( الناصرية) كمنهج ومبدأ .
وقد تحرك عبد الناصر بمقتضى زعامته للجماهير العربية في الوطن العربى يقودها ويناصر بها الثورات ويخطط المشاريع الوحدوية وفق منهج . وممن تأثر بعبد الناصر كزعامة عربية العقيد معمر القذافى صاحب الثورة في ليبيا والذى نال اعجاب عبد الناصر فوصفه بأنه أمين القومية العربية.فلما رحل عبد الناصر اعتبر القذافى نفسه خليفته في زعامة الأمة العربية . وجعل القذافى لنفسه منهجا وفكرا يتحرك من خلاله ... ففى مقابلة الميثاق كان (الكتاب الأخضر) وفى مقابل الاشتراكية العربية كانت ( النظرية العالمية الثالثة) . ومع تطبيق هذا الفكر على أرض ليبيا تكونت ( الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية) ...! ثم ( العظمى) بعد ذلك ... وافتعل القذافى المعارك الوهمية....وجعل لنفسه انتصارات شعبية ....ودخل في مشاريع وحدوية للاندماج مع الشعوب العربية المجاورة ....وسعى لنشر نظريته على الساحات العالمية بانشاء مركزا لدراسات الكتاب الأخضر. وهو كتاب يأخذ بأشتراكية تبيح الملكية الشخصية في حدود حاجات الفرد الأساسية وأسرته.. ويأخذ بديمقراطية ترفض تمثيل الشعب في عدد النواب .... فجمعت بين ديكتاتورية الاشتراكية وغوغائية الديمقراطية.
تعريف بالكتاب:
يتكون الكتاب الأخضر من ثلاثة فصول في كل فصل ركن من أركان النظرية العالمية الثالثة, ذكر المؤلف في الفصل الأول ارائه المتعلقة بالسياسة ونظام الحكم وذكر في الفصل الثانى ارائه المتعلقة بالإقتصاد وتضمن الفصل الثالث ارائه المتعلقة بالقضايا الإجتماعية والتعليم والرياضة . وللكتاب شروح متعلقة ببيان هذه الأراء وتوضيحها.
مبادىء النظرية ومدى مخالفاتها للإسلام:
لا تعدو هذه النظرية عن كونها صورة من صور الإشتراكية بمساوئها العديدة ولكنها تتمسح بالديمقراطية لتأخذ لنفسها صورة تنفى عن نفسها ديكتاتورية الاشتراكية وتزعم لنفسها السبق إلى ديمقراطية مباشرة تتزعمها الجماهير -زعموا - من خلال مؤتمرات شعبية رافضة للتمثيل النيابى والبرلمانات .
ومن أمثلة مخالفة الكتاب الأخضر للإسلام:
(1) إعتماد الديمقراطية المبنية على الأخذ برأى الجماهير الشعبية والتحاكم إليها في صورة ديمقراطية مباشرة تمارسها الجماهير من خلال اللجان والمؤتمرات الشعبية العامة أى لا يسمح بقصر تمثيل الشعب على عدد قليل من النواب وقد بينا ما في الديمقراطية من مخالفات شرعية.
(2) الأخذ بالأشتراكية كنظام اقتصادى وقد بينا ما في النظام الاشتراكى من مخالفات شرعية .
(3) أما باستعراض تفاصيل الكتاب وتصوره للاشتراكية نجد صورا عديدة للمخالفات الصريحة الواضحة للإسلام ما كان يتصور أن تصدر ممن ينتسب للإسلام أو يدعى زعامة العرب والمسلمين . فمن أمثلة ذلك: