فهرس الكتاب

الصفحة 1013 من 3028

كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ايضا: ( إن الله اوحى الي ان تواضعوا حتى لا يبغى أحد على أحد ولايفخر أحد على أحد ) . ولا ريب أن دعاة القومية يدعون إلى عصبية ويغضبون لعصبية ويقاتلون لعصبية ويقاتلون على عصبية , ولا ريب أيضا أن الدعوة الى القومية تدعو إلى البغى والفخر وإنما هى فكرة جاهلية تحمل أهلها على الفخر بها والتعصب لها . والإسلام بخلاف ذلك: فهو يدعو إلى التواضع والتقوى والتحاب في الله وأن يكون المسلمون الصادقون من كل أجناس بنى ادم جسدا صحيحا واحدا وبناءا واحدا يشد بعضه بعضا ويألم بعضه لبعض وفى الحديث الصحيح: ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ويشبك بين اصابعه) و ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) . وفى حديث الحارث الاشعرى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ( وأنا امركم بخمس الله أمرنى بهن: السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلى أن يرجع ومن دعى بدعوى الجاهلية فهو من جثى جهنم ) قيل: يا رسول الله وإن صلى وصام ؟ قال: ( وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم فادعو بدعوى الله الذى سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله ) . وهذا الحديث الصحيح من أوضح الأدلة وأبينها في إبطال الدعوة إلى القومية واعتبارها دعوة جاهلية يستحق دعاتها أن يكونوا من جثى جهنم .

ثالثا: لأنها تؤدى إلى موالاة الكفار العرب وملاحدتهم من أبناء غير المسلمين وغيرهم وفى ذلك مخالفة لنص القران الكريم والسنة الدالة على وجوب بغض الكافرين ومعاداتهم وتحريم موالاتهم واتخاذهم بطانة كقوله تعالى: ( يايها الذين امنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) الايات .. والقوميون يدعون إلى التكتل حول القومية العربية فيوالون لإجل ذلك كل عربى من يهود ونصارى ومجوس ووثنيين وملاحدة وغيرهم تحت لواء القومية العربية ويقولون أن نظامها لا يفرق بين عربى وعربى وإن تفرقت أديانهم .. والله عز وجل يقول: ( يايها الذين امنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم اولياء تلقون إليهم بالمودة ...) إلى قوله: ( ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل ) . ويقول عز وجل: ( يايها الذين امنوا لا تتخذوا اباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الايمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون * قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم إخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين ) (( سورة التوبة اية 23 , 24 ) ). فهذا في رابطة النسب والقربى فكيف الحال في رابطة الارض والوطن .

ونظام القومية يقول كلهم أولياء مسلمهم وكافرهم .... والله سبحانه وتعالى يقول: ( قد كانت لكم أسوة حسنة في ابراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى يؤمنوا بالله وحده ) . وقال تعالى: ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو ابنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) . وشرع دعاة القومية يقول: أقصوا الدين عن القومية وافصلوا الدين عن الدولة وتكتلوا حول أنفسكم وقوميتكم حتى تدركوا مصالحكم وتستردوا أمجادكم , وكأن الإسلام وقف في طريقهم وحال بينهم وبين امجادهم , هذا والله هو الجهل والتلبيس وعكس القضية . وكيف يجوز في عقل عاقل أن يكون أبو جهل وأبو لهب وعقبة بن أبى معيط والنضر بن الحارث وأضرابهم من صناديد قريش في عهد النبى صلى الله عليه وسلم وبعده إلى يومنا هذا إخوانا وأولياء لأبي بكر وعثمان وعمر وعلى وسائر الصحابة ومن سلك سبيلهم إلى يومنا هذا .. هذا والله أبطل الباطل وأعظم الجهل .. وشرع القومية ونظامها يوجب هذا ويقتضيه.

رابعا: لأن الدعوة للقومية تفضى بالمجتمع إلى رفض حكم القران الكريم لأن القوميين غير المسلمين لن يرضوا بتحكيم القران فيوجب هذا لزعماء القومية أن يتخذوا أحكاما وضعية تخالف القران حتى يستوى مجتمع القومية في تلك الأحكام)أ.ه.

*وأخيرا: فينبغى ألا ننسى أن القومية قد اقترنت في التاريخ الأسلامى الحديث بالعمالة للاستعمار كما اقترنت بالعداء للاسلام.

تنبيهات هامة:

(1) الدعوة إلى القوميات تهدف إلى تفضيل جنس على جنس على سائر الأجناس أو وطن على سائر الأوطان فهى بذلك تنمى الاثرة وحب الذات وتضع الحواجز بين الأمم وتباعد بينها . أما الاسلام فهو دعوة عالمية لا تفرق بين الأجناس والشعوب ولاتعرف القوميات تسع الارض كلها وتملء الانسان بشعور الاخوة الايمانيه باخوته من سكان الارض جميعا وتساوى بين الجميع في الحقوق والواجبات وتربط بينهم برباط العقيدة وهو أقوى رباط يؤلف بين الناس .

(2) لا يستطيع أى شعب من الشعوب أو حتى جنس من الأجناس أن يدعى أنه يحتفظ بنقاء جنسه على مر القرون وهذه حقيقة علمية لاتصال الشعوب بعضها ببعض في اشكال مختلفة ووقوع الهجرات المتعددة والغزوات الحربية التى صاحبها اختلاط كبير بين الاجناس مما حال بين كل جنس وبين احتفاظه بنقائه الجنسى .

(3) يتجاهل دعاة القومية أن الاسلام منذ أن اعتنقه العرب قد أزال كل ما كان قبله من تاريخ وحضارات قديمة وصنع لنفسه حضارة جديدة لها تاريخها وتراثها ومفاهيمها وثقافتها ولغتها , حضارة استمرت أكثر من ألف سنة , حضارة عاش في كنفها المسلمون وغير المسلمين , فالإسلام في منطقتنا: اعتنقه المسلمون دينا واعتنقه غير المسلمين حضارة وثقافة وعادات من طول التأثر به , فكيف يتجاهل هؤلاء القوميون أو ينسون هذه الحقيقة الواضحة بل ويتصورون أن الشخصية العربية عاشت كشخصية منعزلة تحت حكم الإسلام أكثر من عشرة قرون لم يؤثر فيها القران الكريم والفكر الاسلامى القويم والحضارة الاسلامية المتفوقة . أيعقل أن يقال أن ما قبل الاسلام من فرعونية أو يونانية أو رومانية أو جاهلية ظلت باقية إلى اليوم تنتظر من يحركها , وإن كان هذا صدقا فأين لغاتهم القديمة وأين عاداتهم وثقافتهم وأين أزياؤهم وديارهم , ولم يبق منها شيئ إلا جمادات بالية في المتاحف لا يهتم بها إلا عشاق الاثار بغرض الإستمتاع بها أو الإعتبار بذكرها . أما منذ ان دخل الاسلام أرض العرب وانتشر فيها - وكذلك الحال في الشعوب غير العربية - فإنه كان ولايزال روح المجتمعات العربية وصانع شخصياتها ووقود الحركات الوطنية فيها وباعث اليقظة في نفوس أبنائها ولولا مكر الغرب وخداعه لمنع عودة الإسلام إلى الحكم لجنى أبناء الاسلام ثمار هذه الحركات . ( وقد جمع الإسلام - بفضل وجهته العالمية -عباقرة الامم في صعيد واحد فتضافروا على اخراج حضاراة زاهرة واستفادوا من علوم السابقين بقدر ما افادوا الدنيا بعد ذلك ) . يراجع في ذلك الغزو الفكرى والتيارات المعادية للإسلام: ص 23 .

وقد ذكر المؤرخون إنه كان لابد من ظهور ابن الهيثم والبيرونى والكندى وأمثالهم لكى يتسنى ظهور جاليليو وكيلر وكوبرنيكس وأنه لولا أعمال هؤلاء من علماء المسلمين وأمثالهم لاضطر علماء النهضة في أوربا للبدء من حيث بدأ هؤلاء ولتأخر سير المدنية عدة قرون .

انتهى كلام المؤلف

الاستاذ: علاء بكر

نقل وكتابة: محمد الفاتح

نظام الدولة في الإسلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت