إن معرفة الإنسان في العصر الحاضر تقوم كلها على أن العنصر أو السلالة هي التي تحدد إنسانية الإنسان بإطلاق ، ومعرفة المجتمع تقوم على العنصر كأساس مطلق للنظام والبناء الاجتماعي. ولم تتح أبدًا فرصة التحقق الواقعي لمبدأ عالمية"عصر التنوير"قبل أن يتم رفضها لصالح المبدأ العنصري الذي دانت به الرومانتيكية. حتى عالمية"عصر التنوير"كانت نظرية وموضع شك، إذ كانت - حتى على يد أمير هذه الحركة"عمانويل كانط"- تعتبر أن مختلف شعوب البشر تتدرج ما بين رفيع ووضيع على أساس من تحيز أوربي موروث وغلى أساس الخصائص الذاتية الداخلية للشعوب الآسيوية والإفريقية والأوروبية. لقد اكتسحت الرومانتيكية الغرب كله، وأتت على كل أثر للعالمية العقلانية أو النصرانية، وقدمت أعظم دعم للدراسات الإنسانية والفنون والعلوم الاجتماعية. ولقد حدد المفكرون الإنسان على أنه حصيلة لعدد من الحقائق والقدرات والقوى التي تنبثق وتتغذى من تصور لوطن أسطوري ومن سلالة أو شعب أو دم يمتد في غموض إلى أبعاد زمنية لا نهائية ، ومن تقاليد تمتد جذورها إلى أعماق وأبعاد لا نهائية في كل من الزمان والمكان. أضف إلى هذا أن هذه الأمور لا تفهم عن طريق العقل، وإنما نلتقط من خلال العواطف والتجربة المباشرة والحدس، وتجد أبلغ وأوضح تعبير عنها في الفنون، خاصة الموسيقى والرسم والأدب. حتى الدين، تصوره أولئك المفكرون الرومانسيون ، خاصة"شليرماخر"Schleiermacher، تصورًا جديدًا على أنه يرتكز على أساس وحيد هو تجربة المؤمن به التي لا يمكن وصفها، أي أحاسيسه الشخصية، وهو تصور يحط من قيمته بعد ذلك أنه تصور غير عقلاني بل اعتباطي تحكمي لا يختلف في طبيعته عن"الأوهام"و"المخدرات".
لقد استمرت الدراسات الإنسانية في الغرب تتحدث عن"الإنسان"و"الإنسانية"، لكن بالمفهوم الرومانسي الذي يحصر مضمون هذه المصطلحات في"الإنسان الغربي"و"الإنسانية الغربية". وإذا كانت لم تستبعد تمامًا من دائرة الإنسانية المليار من"السود"والمليار من"الحمر"والمليار من"الصفر"في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، فإنها تعدهم مخلوقات تكاد تقترب من الإنسانية يمكن أن تستعمر وأن تستغل لصالح الإنسانية الغربية.وبالطبع فإن من الواجب إجراء الدراسات عليهم، لكن المطلوب هو أن يتم دراستهم كعينات لعصر كان الغرب قد مر به في فترة سابقة ، وبذلك يساهمون في تمكين الإنسان الغربي من أن يفهم تاريخ تطوره.
إن التمركز-حول-العنصر بطبيعته مثير للشقاق والتفرق، إذ من الممكن دائما أن تجد داخل أي مجموعة مجموعات أصغر تكشف عن مزيد من التركيز للخصائص الداخلية أكثر من المجموعة الأكبر، وهذه"الحقيقة"يمكن أن تمهد القاعدة لمجموعة أصغر ترى نفسها كيانًا عنصريًا مزودًا بخصوصيات أنقى و أقوى. وإذا كانت الرومانتيكية قد فصلت الغربيين عن بقية العالم الذي كانوا على وشك أن يحتكوا به احتكاكًا مكثفًا نتيجة لتطور الصناعة والنقل، فإنها قد مزقت الغرب ذاته إلى قوميات متعادية متنافسة تسعى كل منها إلى"مصالحها القومية"وكأنها وحدها المعيار الوحيد للخير والشر. وسرعان ما تعلمت أمم الغرب من بعضها وقبلت كل منها ما انتهت إليه الأخرى. كما انتقلت بسرعة النظرات والتحليلات والتعبيرات الرومانتيكية من أمة إلى أخرى على أنها حقائق ، ثم تبنتها وطبقتها كما لو كانت من صنعها هي.
وبتأثير الدفعة التي قدمتها الرومانتيكية تطورت العلوم الاجتماعية الغربية: التاريخ والجغرافيا والاقتصاد وعلم السياسة والاجتماع و الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) . وهي تقوم كلها، كل بطريقته الخاصة، على أساس نظرة عنصرية مؤداها أن الأمة أو الكيان العنصري بمفهومهما المحدد جغرافيًا وسكانيًا وتاريخيًا (لكن الأخير يكون مشوشا وغير محدد) هي الوحدة المطلقة للتحليل والتقويم. وحينما يتحدثون عن"المجتمع"أو"النظام الاجتماعي"فإنهم يقصدون كيانهم ونظامهم القومي. بعضهم يذكرها صراحة منذ الصفحة الأولى، وآخرون لا يصرحون بها على أساس أنها أقوى الفروض الأساسية التي لا تحتاج أن تذكر. ويؤكد علم الاجتماع بجرأة على المقولة العنصرية لأنه يتعامل مباشرة مع المجتمع والنظام الاجتماعي. وعلى إثره يقفو علم السياسة. أما علم الجغرافيا والتاريخ الغربيين فلا يتصوران العالم إلا كتابع للغرب، عالم يدور حول بريطانيا أو أمريكا أو فرنسا أو ألمانيا أو إيطاليا، التي هي بمثابة القلب والنواة له، وذلك حسب المؤلف ومكان النشر. أما علم الاقتصاد الغربي فقد كان في مراحله الأولى بعيدًا عن الموضوعية العلمية بحيث ادعى لنفسه مكانة العلم العالمي. لكنه أعيد إلى مكانه كتحليل غربي لأمة غربية على أيدي النازيين وهم قادة الرومانتيكية والعنصرية في أوروبا. ونفس الدعاوى الفارغة التي أسبغها كارل ماركس على هذا العلم أنكرها لينين وخروشوف من خلال الممارسة العملية. لكن نظام حكمهم لم يسمح حتى الآن بإعلان أي شيء مكتوب بهذا الخصوص، وإن سمح بقدر معقول من الإعلانات العنصرية (المدعوة هنا بالاشتراكية - القومية) أن يدرج في الدستور (الجديد) للاتحاد السوفيتي عام 1978.
وأخيرًا، فإن علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) يعتبر أجرأ هذه العلوم جميعًا. فالإنسانية في نظره تعني العنصرية، وأنهما منطقيًا متكافئتان وقابلتان لتحل إحداهما محل الأخرى. وفي القرنين الأخيرين كان تأثير هذا العلم يسوق البشرية إلى سعار من الوعي بالعنصرية وذلك من خلال فرز مجموعات ثانوية واحدة بعد الأخرى وإقامة نظام من المبادئ والقيم لكل مستقى من الخصائص الذاتية لها أو مما لفقه دعاة هذا العلم وأعلنوا أنه ذاتي ومختص بتلك المجموعة العرقية. فبدلًا من إدراك الخصائص العالمية في الإنسان وتأكيدها، إذ بهذا العلم ينمي ويضخم بشكل كبير الجوانب الخصوصية.
اعترف الإسلام بالأسرة على أنها وحدة البناء في النظام الاجتماعي، ودعم صورتها الممتدة بالتشريعات المتعلقة بالإرث والإنفاق حتى يمكن أكبر عدد ممكن من أعضاء الأسرة أن يأكلوا من مطبخ واحد، وأن يتكافلوا، من ثم، اقتصاديًا. والغاية هي أن يصبح أفراد الأسرة الممتدة، من خلال عيشهم في تقارب وكثيرًا ما يكون ذلك تحت سقف واحد، متكاتفين في سبيل صحتهم العقلية والعاطفية والاجتماعية وصالحهم العام. أما فيما وراء الأسرة فإن الإسلام لا يعترف بالجماعة القومية أو العنصرية، وإنما بالإنسانية والنظام الاجتماعي العام. فلا شيء يقف بين دائرتي الأسرة والإنسانية. وهما معًا يكونان كل شيء في النظام الاجتماعي. وعضوية الإنسان في هذا النظام هي ما يهتم به الإسلام في العلوم الاجتماعية. أما سائر التقسيمات للبشر بين دائرتي الأسرة والإنسانية، كالقطر والإقليم والشعب والأمة، فإن الإسلام يعتبرها وحدات إدارية بحتة لا علاقة لها بالمرة بتحديد الخير والشر ولا بفهم الشريعة أو تطبيقها. وعليه، فإن ما عند الغرب الحديث من فنون وعلوم إنسانية واجتماعية يجب أن تعاد صياغتها برمتها، وأن تقوم قواعدها الأولية على أساس جديد يتطابق مع عالمية الإسلام. كما ينبغي أن يمدها المفكرون المسلمون بقيم جديدة، أعني بقيم وغايات إسلامية، لتكون بمثابة أهداف عليا لترشيد البحوث الاجتماعية.
الفصل الرابع
خطة العمل
تتمثل أهداف خطة العمل فيما يلي:-
1-إتقان العلوم الحديثة.
2-التمكن من التراث الإسلامي.
3-إقامة العلاقة المناسبة بين التصور الإسلامي وبين كل مجال من مجالات المعرفة الحديثة.