هذا المبدأ هو السبب الذي يقف وراء الحقيقة الإلهية التي قررها القرآن: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (الحجرات: 13) . إن الانتماء إلى نوع (ذكر أو أنثى) أو إلى قبيلة أو أمة أو إلى سلالة دون أخرى ربما كان أوضح خصائص البشر وأول عوامل التمييز بينهم. يلي ذلك عوامل اللغة والملامح الوراثية والذكاء والمهارة والقوة البدنية، وهي أقل ثباتًا عند الميلاد وأكثر قبولًا للتغير. وثالثًا، تأتي الشخصية بخصائصها ذات القابلية العالية للتغير والتي تكوِّن الفضائل والرذائل: من الحكمة والمعرفة والتقوى والصبر إلى الجهل والحمق والكفر والتمرد... هذه العوامل كلها تشكل الشخصية الإنسانية وطريقة الحياة، على الأقل من حيث الأساس والقاعدة. أما بقية بناء الشخصية ونمط الحياة فيتكون من العادات أو الآراء، من الميل أو المزاج، من السمعة ومن تاريخ وتقاليد هذه الشخصية عبر تراكمات أعمالها. كل من هذه العوامل له دور في بناء الفرد الإنساني وفي تحديد هويته. لكنها تختلف فيما بينها اختلافًا كبيرًا، فبعضها خَلْقي محدد من قبل المولد، وهو - لهذا - ثابت لا يتغير، وبعضها مكتسب في مراحل مختلفة من الحياة، ولذلك ينمو ويتطور، أو يتغير ويزول.
والبشر معرضون كثيرًا لأن يخطئوا تقدير قيمة هذه الخصائص وطبيعة الدور الذي تقوم به في حياة الشخص. ففي التاريخ لم يكن لأي من خصائص الإنسان دور في تحديد الحكم على الأشخاص والجماعات أعظم من الدور الذي قامت به المجموعة الأولى من الخصائص، وأعني بها النوع والسلالة. ومع ذلك فهي أشد تلك الخصائص براءة من هذه التبعة نظرًا لأنها أقلها اعتمادًا على قرار الإنسان أو عمله الأخلاقي، كما أنها أضعفها قابلية للتغير. إن طبيعة المباشرة الوضوح في هذه الخصائص كثيرًا ما تضلل الحكم فنأخذها على أنها حقائق وجودية ويبنى التفرقة والتمييز بين الناس على أساسها. وهذا هو السبب في أن القرآن الكريم قد بدأ بها وقصد إلى هدم كافة الأحكام المبنية عليها. إن هذه خصائص من صنع الله، ضرورية ولا تتغير، وقد خلقها الله لتكون فقط عوامل تعارف. إن علينا أن نأخذها على أنها"جواز سفر"أو"هوية شخصية"لا تنبئ عن قيمة صاحبها أو طبيعته الأخلاقية. وهذا هو معنى الآية إن أخذناها على المعنى الحرفي. أما إن أخذنا"ليتعارفوا"مأخذًا مجازيًا، فإن القرآن حينئذ يخبرنا بأن الله قد خلق الخصائص النوعية والسلالية كي يتمكن البشر من خلالها من التكامل والتعاون [بتبادل الخبرات المتميزة عند كل شعب] .
إذن، كل البشر خلق واحد ومتساوون: وهذا أساس العالمية في الإسلام. كل البشر عند الله سواء لا تميزون إلا بأعمالهم وفي الفضائل الخلقية والإنجازات الحضارية والثقافية. فإذا كانت هذه الأعمال تعتمد على خصائص ثقافية موجودة تعرقل مثل هذا الإنجاز، فالواجب علينا أن نغير هذه الخصائص وننمي أخرى - وهذا أمر في الإمكان دائمًا، والباب مفتوح أبدًا أمام مثل هذا التغيير. أما حين يتم الحكم على أساس الخصائص الثابتة، فإننا نرتكب جريمة أخلاقية، وهي التعصب العنصري. والتورط في جريمة كهذه ينذر بشر مستطير يتمثل في انتهاك وحدة البشرية وانتهاك الوحدانية الإلهية أيضًا. لا شيء أشد مقتًا عند الله تعالى من الشرك، ولا شيء أقرب إلى الشرك من التعصب العنصري. ولا شيء كالعنصرية أدى إلى العداوة والحروب وإراقة الدماء بين البشر. لقد ألصقت بالدين وبضروب كثيرة من الأسباب تهمة التسبب في إثارة مختلف الصراعات بين جماعات البشر. والحق أن كافة الصراعات تقريبًا بين الجماعات يمكن إرجاعها إلى قرارات عنصرية اتخذت على أساس الخصائص الثابتة لمن يدعون"أعداء".
إن الإسلام لا يلتقي أبدًا مع التعصب العنصري الذي يعتبر التمييز العنصري والقومية من صوره السائدة. إن الصراع بينهما لا حد له نظرا أن ما ينزله التعصب العنصري من دمار في الروح الإنسانية - فاعلة أو مفعولة له - لا يمكن جبره.
وإدانة التعصب العنصري كما يفعل الإسلام ليست إدانة للوطنية ، إذ الأخيرة تعني موقفًا من الحب والإعزاز، والتقدير لحياة الجماعة وقيمتها، ومن الاستعداد لتحمل المرء كل بذل وتضحية، بما في ذلك التضحية بالنفس في سبيل الدفاع عنها. فليست الوطنية على هذا بريئة من الشر فقط، بل إنها عمل إيجابي صالح يفرضه الإسلام. فمن الواجب على المرء دينيًا وأخلاقيًا أن يحب قومه ويخدمهم ويدافع عنهم ضد كل اعتداء وظلم، وكذلك أرضه. فما أبعد الفرق بين التعصب العنصري والوطنية. إن جوهر الأول هو الإدعاء بأن مزايا الشخصية السلالية هي المعيار المطلق للخير والشر؛ وأشنع صوره هي اعتبار سلالة ما أسمى من كل البشر نتيجة للخصائص الذاتية في أفرادها ثم إجلال تلك المزايا والتمسك بها على حساب كل المزايا الأخرى. والتعصب العنصري بهذا الزعم يتطلب الولاء المطلق له ممن يؤمنون به، ما دامت الدعوى التي يقدمها هي أن العنصر أو السلالة هو الحقيقة المطلقة. إن الشعب المتعصب عنصريا، يهوديًا كان أو ألمانيًا أو فرنسيًا أو روسيًا، يدعى مخلصًا أن اليهود أو الألمان أو الفرنسيين أو الروس هم الحقائق المطلقة التي تمثل المعيار المطلق للخير والشر. إن ما غرسته الصهيونية في روح الشعب اليهودي، وما غرسه"هيجل"و"فيخته"و"نيشته"وغيرهم من المفكرين الرومانسيين في روح الشعب الألماني عما هو"الوطن الألماني"؛ وما غرسه"روسو"و"فوستيل دي كولانج"وغيرهما من روح الشعب الفرنسي عما هي"الأمة"أو"فرنسا"، قد وصل إلى ما يشبه المبدأ المقدس الذي نفخ الغرور في اليهود والألمان والفرنسيين فصار عندهم أشبه بالحقيقة المطلقة للمعتقد الديني. وإن ما تتطلبه مثل هذه الأساطير الغامضة من اعتداد بالنفس ومن إلهام، وإن التأثير الشديد الذي تمارسه على قلوب معتنقيها وخيالاتهم، ليسبه تمامًا الآثار المرتبطة بحقيقة تتصف بأنها أسطورية وهائلة وأخاذة لها أولوية مطلقة ومتجاوزة للواقع.
أما المسلم فهو الشخص الذي يعتقد نقيض ذلك تمامًا بأن"إلهه"هو الإله الواحد للجميع ولكل شيء ولا إله سواه ، فتلك هي المسلمة الضرورية التي تبني عليها لزومًا كل صور الوحدة المشار إليها سابقًا إضافة إلى وحدة الإنسانية كلها. ومن التناقض في التسمية أن نقول"مسلم قومي"أو"عنصري". والمسلم الذي يعلن أن ولاءه إنما هو لقوميته وحدها هو إما"منافق"أو"زنديق"وإما رجل ذو ولاء سطحي زائف لا يثبت أمام إغراء الرشوة والمصالح الشخصية. وهذا هو أيضا السبب الذي يفسر كيف أن الحياة العملية للغالبية العظمى ممن يدعون بالزعماء القوميين المسلمين الملتزمين قد خلت كثيرًا من الانسجام والإخلاص للمبدأ المعلن والتكامل الخلقي.