والتعدد إذا كان من اختلاف التنوع الذي يثري الأمة ، ويغطي مواضع الحاجة فيها ، ويمنح كل عامل ما يلائمُه فهو محمود مشروع .
وإن كان من اختلاف التضاد المبني على اجتهاد ورؤية شرعية من المتأهلين لذلك فهو سائغ واقع غير ممنوع .
وإن كان من اختلاف الهوى والتعصب والمنافسة غير الرشيدة فهو عبء على الأمة يزيدها تخلفًا وثبورا .
وبالجملة فيفتر ض في كل من ينتسبون إلى الإسلام أن تكون الشريعة المحكمة مرجعيتهم بلا نزاع .
(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا ) .
يقول البعض بأن الجماعات الإسلامية تقوم بتربية الكراهية لغير المسلمين من النصارى وغيرهم .. فماذا تقولون ؟
المسلم يتربى قرآنيًا على كراهية المعاني الفاسدة ، على كراهية العقائد المنحرفة ، على كراهية الضلال ، وتبعًا لذلك على كراهية من يمثلون هذه المعاني والعقائد ، لا لذواتهم فهو يحب لهم الخير ولذلك يتمنى هدايتهم وإنقاذهم من النار ، ويفرح له كما فرح الرسول صلى الله عليه وسلم لليهودي الذي أسلم على فراش الموت ، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم مسرورًا يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار .
وإنما الكراهية لما يحملون من الفكر المنحرف ، أو السلوك المنحرف .
ولذلك لا يلام المسلم على المحبة الفطرية العادية لولده ، أو لزوجه ، أو ما شابه ذلك، ولو كانوا من غير المسلمين ، لكن لا يجوز أن يحمله ذلك على التفريط في شيء من دينه ، ولهذا عوتب المسلمون الذين تخلفوا عن الهجرة بسبب أزواجهم وأولادهم ، ووصفوا بأنهم (( فتنة ) ).
والحقيقة أن الذي يقوم بالتحريض على الكراهية هم ساسة الغرب الذين يديرون الحرب ضد المسلمين في أكثر من موقع ، ويلقنون المسلمين دروسًا في الكراهية والحقد يعتبر تأويلها سذاجة ، ونسيانها غباء .. وإذا كانت أصوات المعتدلين والعقلاء في الغرب تضيع في زحمة الأصوات المتشنجة الغالبة .. فهكذا بالنسبة للطرف الآخر يقع الشيء ذاته ، إنني أؤكد أن الغرب يضيق الخناق على منهج الوسطية والاعتدال الشرعي الذي هو مسلك إنقاذ الأمة ويصنع المناخ الملائم لنمو تيارات التشدد والغلو.
الغزو الفكري الغربي للمرأة المسلمة يدعو للتحرر ، ويقول إن الإسلام يحث على العلم والتعلم ، وعلى المرأة أن تخرج إلى ميدان العلم ، وممارسة كافة حقوقها .. فما قولكم؟
الإسلام ارتقى بما يسمى حقوقًا إلى رتبة الواجبات للرجل والمرأة على حد سواء، ولهذا فالمرأة في النظام الإسلامي تخرج لأداء واجباتها ونيل حقوقها ، سواء كانت اقتصادية أو وظيفية أو تعبدية أو تربوية أو تعليمة أو غير ذلك .
وليس موضع الصراع بين الإسلاميين وخصومهم هو على هذه المسألة بحد ذاتها إذا تم تناولها في جو المصداقية والواقعية .
لكن من الإسلاميين من يقول إن الجهات والمؤسسات العلمانية التي تروّج لبعض الحق إنما تستخدمه ولا تخدمه ، فهي تستغل مسألة الحقوق لإخراج المرأة وتجريدها من صفاتها المتميزة في مجتمعها المسلم ، ونقلها إلى جو مختلط غير محتشم لا تملك المرأة الجمع بين معايشته وبين الالتزام بتعليمات الشريعة الربانية .
ولذا فإن من الحكمة الكف عن توظيف القضايا الكبرى والجوهرية في الأمة لأهداف ذات خصوصية حزبية أو فكرية ، لأن هذا سيقضي على كثير من التخالفات والنقائض في حياة المسلمين .
إنه ليس من مسلم إلا وهو يرفض استنساخ النموذج الغربي في إخراج المرأة لتصبح على قدم المساواة مع الرجل ، ولتكون ألعوبة يلهو بها عبيد الشهوات والأجساد ، كما يرفض أن يكون الرجل على قدم المساواة مع المرأة ، فلكل منها خصائصه العضوية والسيكولوجية ومهماته الخاصة ، والمسألة ليست تفضيلًا محضًا للرجل ، فللأم ثلاثة حقوق بينما للأب حق واحد ، وقد تساوي الرجل في الميراث كما في حال الإخوة من الأم ، وقد تبلغ درجة الكمال كما في حالة مريم وآسية امرأة فرعون ، وخديجة ، وفاطمة ..
مفهوم الجهاد عند البعض يتركز في قتل النفس في سبيل الله .. فهل من إضاءة حول هذا المعنى ؟
الموت في سبيل الله شهادة ، ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، والأمر يتعلق بنية المرء وقصده كما في حديث (( الأعمال بالنيات ) ).
والشهادة التي هي موت المسلم ليست مقصودة لذاتها ، بل هي مكروهة لذاتها ، محبوبة لغايتها ، شأنها في ذلك شأن القتال نفسه (كتب عليكم القتال وهو كره لكم ، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم ، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم ) .
والله تعالى يكره موت المسلم كما في الحديث القدسي"يكره الموت وأنا أكره مساءته"، والمسلمون يحزنون لموته كما حزن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه لموت الشهداء من أصحابه .
وطول عمر المسلم لا يزيده إلا خيرا ، فخيركم من طال عمره وحسن عمله ، لكن حين يترتب على موت الفرد حياة الجماعة ، ورفع الذل والمعاناة عن الأمة تكون المصلحة أرجح ، فهذه واحدة من مسائل تغليب المصالح على المفاسد لا غير .
وفي أحوال كثيرة يمكن تحقيق المصلحة بدون حصول المفسدة ، أو بجزء منها ، فإذا تحقق المطلب الشرعي بهذا القدر أو الجزء لم يكن من الحكمة الزيادة عليه .
ونحن محتاجون فعلًا إلى تربية أناس يعرفون كيف يحيون في سبيل الله أيضا، لأن ذلك الموت هو لأجل إصلاح الحياة ، ومن لا يتقن صناعة الحياة فمن الصعب أن يتقن صناعة الموت ، وليس من الرشد أن يموت الخيرون ليتركوا الحياة يعبث بها الأشرار .
كيف نواجه خطر العولمة القادم ؟
يبدو أن الخطر لم يعد قادمًا ، بل أصبح واقعًا ، وآخر شواهد ذلك المؤتمر الاقتصادي بقطر ، ونجاح أمريكا في حملتها على ما تسميه بـ (( الإرهاب ) )، ربما يزيد من متاعب الدول العربية والإسلامية في لحاقها بالعولمة .
التخلف في دول العالم الثالث لا يمكن ردمه الآن ، لكن هل لنا أن نحلم بنوع من التنسيق الاقتصادي أو المشاريع المشتركة في ظل سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية ، وبزوغ نجم الولايات المتحدة الأوربية ؟
وهل لنا أن نحلم حلمًا آخر باعتبار هذه التوجهات الدولية التي يملي شروطها الأقوياء فرصة لتعزيز خصائصنا العقائدية والأخلاقية ، وتحويل نظمنا المكتوبة والقائمة على تحقيق العدالة بين الناس ورفع الظلم والمعاناة ، والرقابة على المال العام ، .. تحويلها إلى برامج عملية يلمس الناس أثرها ولو بعد حين ؟
أين تحدد موقع الدعوة الإسلامية في وسائل الإعلام ؟
الاهتمام الإسلامي بوسائل الإعلام ضعيف ، وجاء متأخرًا ، لأنه كان يتوجس منها خيفة ، وينسى أنها واقع لا مفر منه ، وقد كان المجال الصحفي أقرب الأنماط إلى حس الدعاة ، ولذا حققوا فيه بعض النجاح .
هناك الآن وجود لا بأس به عبر الشبكة العنكبوتية ، وربما يتحقق له النضج والتكامل بعد حين .
وثمت مجموعة من المشاريع المتعلقة بالبث الفضائي ، منها في قطر ، وفي السعودية ، وفي الإمارات ، وهي خطوة جريئة إذا تكللت بالنجاح الذي يمكنها من الاستمرار .
أخطار العلمانية بدأت تظهر في الخليج ومجتمعاته .. ما تعليقكم ؟
العلمانية ليست بالضرورة أحزابًا أو أشخاصًا ، بل هي نظم ، وأنماط سلوك ، واتجاهات تفكير ، يعمل الغرب المنتصر على فرضها والتمكين لها ، ومنطقة الخليج وإن كانت متميزة في الأصل بسياجها التاريخي والاجتماعي المنبثق من دينها وأخلاقها إلا أنها ليست عصية على هذا الاتجاه ، خصوصًا وهي تريد حصتها من الاقتصاد والسياحة ، وتحاذر العزلة بأي ثمن .