فهرس الكتاب

الصفحة 833 من 3028

5-أن المهمة شريفة، ووصف الإعلام للإرهابي بأنه دموي، ومجرم، وفاقد لأدنى الصفات البشرية والإنسانية.. لا يزيده إلا إصرارا على مواصلة تنفيذ مهمته طالما هناك ملايين من الناس يعتقدون أن عمله بطولي، وأن"ضربته"الموجعة للعدو - ولو ذهب ضحيتها أبرياء - لها ما يبررها، لأنها، في النهاية تؤهل صاحبها ليكون"بطلا عالميا"يقف وجها لوجه أمام كبار الماسكين بزمام السلطة والثروة من الزعماء والقادة ويعكس شعورا طيبا في نفسيات المضطهدين في العالم.

هذه المشاعر، وإن استهجنها بعض الناس، فإنها"عقيدة"الممارسين للعنف في كل المجتمعات، وهي"عقيدة"تجعل من قادة العنف السياسي العالمي زعماء تاريخيين يتحدث عنهم اللاشعور الجمعي بكثير من الارتياح والإعجاب لمجرد أنهم أقضوا مضاجع"الكبار"الذين لا يلتفتون إلى"الصغار"في العالم إلا إذا مست مصالحهم بشكل مباشر.

لقد تحدثنا في الجزائر عن الإرهاب عشر (10) سنوات فما تجاوزت أصواتنا ضفاف المتوسط، فلما دك البرجان في أمريكا، تحركت الترسانة الإعلامية العالمية، بكل اللهجات واللغات، لتشد أنفاس البشرية ثلاثين شهرا تم خلالها ضرب كل المواقع التي يحتمل أن فيها أوكارا للإرهاب، لمجرد العلم بأن بعض"قادة"الإرهاب العالمي قد كانوا - في عهد الاتحاد السوفياتي والجيش الأحمر - أصدقاء لأمريكا، بل منهم من تم تجنيده من طرف القائمين على تحديد استراتيجيات الأمن القومي العالمي لمواجهة الزحف الأحمر القادمة من بوابة القوقاز باتجاه خليج العرب ( أو الخليج الفارسي كما كان يسمى قديما) .

فالإرهاب في بعض مفاصله"صناعة أمريكية"كانت موجهة - خلال الحرب الباردة - للاستهلاك، على سبيل التجربة، في بلدان فقيرة ومتخلفة مثل أفغانستان وبعض"محميات"الاتحاد السوفياتي، فلما تفكك عقد الاتحاد السوفياتي، وتناثرت حبات السبحة على أطراف"موسكو"تحول الأمن الصامد أمام زحف الجيش الأحمر إلى قوة عسكرية لها امتداداتها"المتطوعة"في كثير من الأقطار، بل لها معجبون ومؤيدون و"مقلدون"لبطولاتها و"مفاخرها"في دك حصون الجيش الأحمر، وبسقوط الاتحاد السوفياتي تحولت هذه"الجيوش الاحتياطية"إلى عدو يجوز أن يكون مالكا لرؤوس نووية قد يستخدمها تحت ضربات خيبات الأمل للتعبير عن حالات اليأس والإحباط بعدما صار إنتاج الأسلحة الجرثومية والكيماوية والذرية في متناول الجميع، بل بعدما امتلكت بعض هذه الأنظمة ترسانة من أسلحة الدمار الشامل قد يتسرب بعضها إلى أيدي جماعات الضغط وجماعات المصالح و"المافيا"العالمية التي تستخدم جماعات العنف وطلائع الإرهاب لتأمين مصالحها الاستراتيجية.

هذه المقاربة النفسية التاريخية تجعل العلاقة بين الممارسين للعنف والقائمين على مكافحته طرفين يتنازعان النفوذ بطريقتين غير متجانستين، وبينهما ضحية غالبا ما تكون بريئة، ولكنها تدفع الثمن للطرفين معا، كالحبة بين شقي الرحى، طالما لا أحد منهما يملك - حتى الآن على الأقل - قرار الحسم النهائي في المعركة غير المتكافئة التي تقتات من رفض الطرفين لسياسة الجلوس إلى طاولة الحوار لتركيب علاج معقد لهذه الظاهرة، علاج ذي أخلاط متنافرة أهمها مراعاة الأبعاد السيكولوجية والفكرية ( العقائدية) للإرهابي، والمكونات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والثقافية للأنظمة القائمة، وعندئذ تصبح المعركة طويلة المدى لأنها قائمة على النظرية الصفرية (وجودا أو عدما ) ليس فيه مكان لإرادتين.

إن الدافع للإجرام ليس دائما واحدا، فالأسباب متعددة ولكن رد الفعل صار واحدا، في كل بقاع العالم، في اليابان كما في إيطاليا، وفي إسبانيا كما في أمريكا، وفي الجزائر كما في الفلبين.. إلخ وإعطاء فرصة"للمجرم"ليطرح وجهة نظره أمام من يثق فيه حكمة تقتضيها طبيعة التشخيص والوصف والاستقراء قبل بسط أساليب العلاج أو الكفاح والمواجهة، فالتعرف على الدوافع والأسباب الكامنة وراء ردود الأفعال المتشنجة، يسهل عمليات العلاج والتصدي المدروس.

إن 80 بالمائة من المصنفين على لوائح الإرهاب ليسوا إرهابيين، ولا علاقة لهم بالعنف، مع أنهم يمارسونه، لأنهم وجدوا أنفسهم بالصدفة في معسكر"غير رسمي"للتدريبات يفتح لهم الأبواب على مصاريعها ليثوروا على واقعهم في مقابل واقع"رسمي"يوصد في وجوههم الأبواب والنوافذ، وتقول لهم سياسة بلدهم"إركعوا.. أو اشربوا ماء البحر"؟؟. هذه هي"لغة الخشب"التي يواجهها دعاة الإرهاب بالمسمار والمطرقة.

إذا كنا نعتقد أن النزوع إلى استخدام العنف نزوع مرضي، فإننا ندرك أن"الحالات"المرضية"عقد نفسية"لها في اللاشعور ما يستفزها ويثورها ويهيجها، وعندئذ وجب على علماء النفس، والاجتماع، والقانون، وأطباء القلوب والعقول، وأهل الفتيا وسواهم أن يتقربوا من هؤلاء المصابين بـ"هستيريا"العنف، أو بانفصام شخصيتهم القومية أو بازدواج الشخصية الحضارية، أوبـ"فوبيا"الغزو الفكري والثقافي للاستماع إليهم واللين لهم في غير ضعف - تماما كما يفعل الطبيب مع مريضه - لنقل وجهة نظر"الشخصية السوية"للطبيب المعالج إلى ذهنياتهم القلقة والعمل على نزع النظارات السوداء من فوق عيونهم - التي لا تبصر إلا الأسود والأبيض - فيصير بصرهم بلون قوس قزح، فينظرون بألوان الطيف، وقد يكتشف بعضهم الدنيا من جديد، ويدرك الكثيرون منهم أنه كان ضحية"غسيل مخ"إيديولوجي في بعض مخابر الأفكار المسلحة التي لا تعترف إلا بالجزية أو السيف.

وأخيرا: إن العطف على المريض ليس جريمة بل هو عمل إنساني يدخل في صميم الدعوات القائمة على فكرة مد يد النجدة لإنسان في حالة خطر والعطف مع الإرهابي - لفترة من الوقت - من أجل الفهم والتشخيص ليس جريمة إذا كان الهدف الوصول إلى تحديد جذور الإرهاب وأسباب نشأته.

إن علاج ظاهرة الإرهاب يحتاج إلى هذه الخطوة الوقائية الممهدة لخطوات علاجية أخرى، فهي عملية فحص وتشخيص أو هو عمل وقائي يحتاج إلى توفير مناخ صحي فيه كثير من العواطف الإنسانية النبيلة التي إن لم تنجح - كمقدمات ضرورية للفرز- في استئصال شافته من نفس أمارة بالسوء، فإنه لا يفوتها حظ امتصاص غضبته الكبرى واحتواء ردات فعله إذا سولت له النفس قتل أخيه، أو على الأقل العمل على تضييق دائرة القلق الحضاري والتوتر النفسي والانحراف الفكري الذي يجعل كل مظلوم يفكر في الانتقام من المجتمع بطريقة"إن لم تستطع أن تنفع فضر".

إن المواثيق الدولية والقوانين الإقليمية والدساتير المحلية لم تعد محل اهتمام أحد، ولم تعد جديرة بالاحترام من طرف الذين اقتنعوا بأن الشعوب لا تقتات بالقوانين، بعد أن داسها واضعوها، فقد حرم ميثاق الأمم المتحدة، منذ أكثر من 50 عاما، استخدام القوة أو التهديد، أو اللجوء إلى الحرب، أو تقديم المساعدة لأية دولة لا تحترم هذه المواثيق (كما ينص على ذلك القرار رقم 375) لكن هل احترمت الدول الكبرى هذه الالتزامات؟ وهل استطاعت هيئة الأمم المتحدة لجم تجاوزات بعض أعضائها ممن يملكون حق الفيتوا؟ فبعض هؤلاء هم من الذين أسسوا لمفهوم إرهاب الأقوياء فظهر بعد ذلك إرهاب الضعفاء، وقد دشنت بعض تلك الأنظمة عهد إرهاب الدول للشعوب فكان رد الفعل الطبيعي ميلاد محاولات إرهاب الشعوب للدول. وكأمثلة على ذلك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت