وبتعبير بسيط: هل للإرهاب جنسية واضحة وهل له لغة ولون وجنس ودين أم هو كائن بشري هائم على وجهه بكل بقاع الدنيا يدمر كل من يجده ومايجده في طريقه لاعتقاده أن البشرية كلها ظالمة وجائرة، وأن الأنظمة - على وجه الخصوص - طاغية ودكتاتورية، وأن قوانين الكون كلها تحاصره وتتحين الفرص للانقضاض عليه، فيتعامل معها بنفس مشحونة بالمخاوف الباعثة على إرادة حب التدمير التي تصبح مع الممارسة هي جوهر المعاملة والسلوك.
إن استشرافنا لمستقبلنا العربي والإسلامي في ضوء ما هو قائم حاليا في واقعنا - برصد دقيق للعناصر الأساسية المكونة للصراع - يؤكد ثلاث حقائق مؤلمة:
الأولى: أننا لسنا أمة واحدة ولا حتى تيار واحد، وإنما نحن امتدادات جغرافية كانت تنتمي لأمة واحدة سادت ثم بادت، ولم يبق منها إلا"التراث"الجامع لشتاتها وذكرياتها في منظومتنا الفكرية والتاريخية التي ما زالت تمثل آخر قلاعنا التي تربط حاضرا مشتتا بماض كنا فيه (خير أمة أخرجت للناس) .
والثانية: أن واقعنا يتشكل من جزئيات متنافرة ما تزال اللغة ( الفصحى ) أظهر مظاهرها ثم بقايا الآثار الدالة على أن أجدادنا قد مروا من هنا وتركوا بصماتهم الموحدة لشعوب كانت (على شفا حفرة من النار) فتداركها الله بلطفه فأنقذها من ( شفا جرف هار) .
والثالثة: أن الأمة العربية والإسلامية تعيش غربة عميقة في داخل أوطانها، وتستشعر حاجة للثورة على الواقع لإعادة اكتشاف نفسها، وتغيير واقعها والاتصال بالمنفصل من ماضيها المجيد رغبة منها في إحداث المفاصلة الشعورية التي تحقق لها تميزها عن الآخر في معركة طال أمدها فأفرزت أشكالا جديدة من التمرد على الواقع كان من أشنع إفرازاته تيارات العنف.
هذا الإفراز المرضي في واقعنا الاجتماعي، وفي منظومتنا السياسية، تداخلت فيه مكونات داخلية (سياسية واقتصادية وتربوية وثقافية ودينية) بعناصر خارجية ضاغطة ومؤثرات ظرفية عارضة لتشكل - في النهاية - خليطا هجينا من الأفكار والتصورات حكمت على الواقع كله بالكفر، والفسق، والظلم، واستند بعض المنظرين لهذا التيار على نصوص مقتطعة من فقهنا القديم، كما استند غيرهم على تعاليم تراثية ومزاجات عصرانية أهدرت دماء الناس واستباحت أموالهم، وأعراضهم، وعقولهم، ونسلهم، ودينهم، ووضعت البشرية كلها في حالة استنفار قصوى أمام خطر جعل العالم كله في مواجهة المجهول.
وقد كانت بعض الجهات تعتقد أن الإرهاب"صناعة إسلامية"بيد أن الأحداث المتوالية، في العالم كله، أبطلت هذه المزاعم عندما اكتشفت البشرية أن الإرهاب لا يعترف بدين، ولا بلغة، ولا بقانون، وقد كان من نتائج هذا التدافع أن اختلطت أوراق المقاومة المشروعة بالإرهاب الذي تعاظم أمره، وذاع صيته، وارتفعت خسائره، واتسعت رقعه.. وصار ظاهرة عابرة للقارات لتختلط بغيرها من الجرائم والتجاوزات التي اتسعت دوائرها وتباينت أسبابها ومسبباتها.
كان أكبر خطأ سجل في تاريخ المسارات المقاومة للتيارات الإرهابية أمران خطيران:
1-خلط الإرهاب بالمقاومة المشروعة، وخلط العنف والإجرام بحق الشعوب في تقرير مصيرها.
2-التصدي للإرهاب، وكل روافده وإمداداته وخلاياه النائمة، باستخدامات القوة لاستئصاله مما يعرف بنظرية"إرهاب الإرهاب".
ومما عمق مسارات المواجهة الساخنة بين جهات ساهرة على فرض النظام بالقوة وجهات باحثة عن فرص إمكانياتها الانتحارية لزعزعة الأنظمة باستخدام القوة المباغتة، التهرب من تحديد تعريف واضح للعنف، والتهرب من وضع مصطلحات دولية جامعة لمعاني الإرهاب مستغرقة لتفريعاته مانعة لاختلاطه بأشكال المقاومة المشروعة.
لقد عقدت عشرات المؤتمرات الوطنية والإقليمية والدولية حول موضوع العنف والإرهاب، والجريمة المنظمة، ناقش فيها المشاركون كل الموضوعات والمحاور المطروحة للنقاش ولكنهم تحاشوا - عن سبق إصرار ونية مبيتة - فتح ملف النقاش حول أهم نقطة في الموضوع وهي"تعريف المقصود بالمصطلح".
فما معنى إرهاب ؟ ومن هو الإرهابي؟ وما الفرق بين من يقتل في فلسطين ومن يقتل في البوسنة؟ وهل الدماء البشرية دماء واحدة لبني البشر أم أن هناك"نازية جديدة"في فلسفة القائمين على تصنيف البشرية على قاعدة التمايز بحسب اللون، والمنشأ، وجواز السفر؟
بل ما معني"محور الشر"وما المقصود به في السياسة الأمريكية التي أطلقت هذا المصطلح؟ وما معنى"العدالة المطلقة"؟ وهل الإبقاء على قوائم الدول والمجتمعات الداعمة للإرهاب مفتوحة من طرف القائمين على شؤون الأمن القومي بالولايات المتحدة الأمريكية يعني أن كل نظام لا يعمل على تأمين الأمن القومي للرجل الإسرائيلي أو الأمريكي في العالم كله يصبح نظاما إرهابيا أو - في أخف الأحكام - نظاما داعما للتيارات الإرهابية ؟
لننظر إلى الموضوع نظرة نفسية اجتماعية لتدقيق الفهم أولا.
إن نفسية الإرهابي تقوم على شعور بالدفاع عن حق مغصوب، لذلك لا يربط الإرهابي أهدافه - إن كانت له أهداف واضحة - لا يربطها بعدد الضحايا، ولا بنوعيتهم أو جنسهم أو دينهم أو لغتهم أو مراتبهم الاجتماعية، وإنما تهمه الضجة الإعلامية التي يحدثها الفعل الذي لا يربط حساباته بأي وازع أخلاقي ما دام هدفه إرباك الخصم والدفع به إلى ارتكاب المزيد من الأخطاء والحماقات.
فالعمليات الإرهابية لا يقف وراءها تشريع ولا قانون، وإنما يقف وراءها"مهندسون"لا يهمهم فرز مستويات عدوهم أو التماس البراءة للبعض دون الآخر، وإنما يهمهم أساسا أمران:
-الضرب بقوة مرعبة لتدمير أي هدف قائم ببشاعة باعثة على الرعب والفزع.
-إحداث ضجة إعلامية واسعة، ومؤثرة بشكل مباشر، دعاية للفاعل، إذ كلما اهتم الإعلام أكثر بالعمليات التدميرية كلما زاد عددها وتنوعت وسائلها وازداد الفاعلون"اقتناعا"بجدوى تكرارها.
ذلك أن الإعلام - من حيث يدري أو من حيث لا يدري - يساهم بشكل إيجابي في تغذية العمليات الإرهابية ويضمن لها الانتشار الواسع بالدعاية المجانية لها التي يوظفها زعماء الإرهاب لممارسة ضغط معنوي على جهات بعيدة ( السلطة القائمة مثلا) بإلحاق الأذى بضحية، أو ضحايا مفترضين لا تقصدهم الآلة الإرهابية لذاتهم وإنما تستخدمهم"متراسا"أو حاجزا ترابيا ( بشريا) تترس به للوصول إلى تدمير معنويات العدو الحقيقي، ويتترس به العدو الحقيقي لكشف المخططات الإرهابية حتى لا تصل يد الإرهاب إليه.
فالإرهاب - في عقيدة دعاة العنف - ليس جريمة، وإنما هو تكتيك سياسي يتم عن طريقه الإعلان عن وجود"جماعة رافضة"تواجه - بكل وسيلة متاحة - سلطة نافذة عزّ إسقاطها بالطرق الديموقراطية فلم تجد أمامها إلا أساليب حرب العصابات.
وفلسفة الإرهاب قائمة على عقيدة شاذة يؤمن بها كل منخرط في جماعات العنف بصرف النظر عن المنطقة التي يقطنها، مفادها خمس كلمات:
1-أن الواقع فاسد برمته ولا فائدة من عمليات الإصلاح وجهود التغيير ومساعي إعادة البناء.
2-أن أسلوب النفس الطويل مضيعة للوقت لأن أنفاس الأنظمة أطول من أنفاس الحركات القلقة.
3-أنه يوجد في المجتمع أبرياء وأناس طيبون ولكنهم ركنوا إلى أهل الفساد والضلال فصاروا أتباعا لهم.
4-أن الغاية كبيرة، (وهي إقامة العدل في الأرض) فلا تهم الوسيلة، ولو كان الثمن إبادة الثلث بهدف إصلاح أو تقويم أو إنقاذ الثلثين من براثن ليل لا يبدو صبحه قريبا.