ثم ذكرت المراحل التي مرت بها العلمانية ابتداءًا بتطور العلوم، وظهور الحركة البروتستانتية، وثورات بعض الأمراء ثم جاءت الثورة الفرنسية التي حملت لواء الفصل تحت زعامة اليهود، وبعد ذلك أتت مرحلة العلمانية المتطرفة وهي إلغاء الدين البتة وذلك متمثل في فكر ماركس ومن أخذ بفكره من الدول الشيوعية.
وفي الفصل الثاني الخاص بنشأة الفكرة وأسبابها وتطورها في العالم الإسلامي تحدثت في المبحث الأول منه عن حالة العالم الإسلامي في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، ذاكرًا حالته السياسية، ورحالة علمائه والحركات الإسلامية، وحالة عامة المسلمين، متطرقًا لوهن المسلمين فكريًا وكيف بدأت الأفكار الغربية تساور أفكارهم بوعي وبدون وعي.
وفي المبحث الثاني تحدثت عن البعثات للغرب، ذاكرًا دورها الكبير في نقل الأفكار الغربية ومنها فكرة الفصل، وقد أشرت إلى الطرق التي يعامل بها الدارسون من أبناء المسلمين في البلاد الغربية، ثم ذكرت بعض الأمثلة عن أوائل المتأثرين بفكر الغرب الداعين له في البلاد الإسلامية، سواء كانوا من المخلصين لهذا الدين، ولكنهم ممن انخدعوا بحضارة الغرب، أو ممن تعمد إفساد المجتمع الإسلامي بهذه الأفكار الدخيلة.
ثم تحدثت في المبحث الثالث المتعلق بالغزو الغربي للعالم الإسلامي العسكري منه والفكري، ذاكرًا مراحله وأهدافه، مشيرًا إلى دور التعليم وبخاصة المدارس التي أنشأها الاستعمار في بلاد المسلمين في بث الفكر الغربي والدعوة له، ثم أذكر أمثلة ممن تأثروا بهذا الغزو الفكري الداعين له في بلادنا الإسلامية.
أما المبحث الرابع وهو تطور الفكرة وتبلورها في أحزاب ودول فقد ذكرت فيه دخول العلمانية عمليًا في تركيا؛ ذاكرًا المراحل التي مرت بها هذه النكسة، ثم تحدثت عن العلمانية في فكر وثقافة المسلمين، وختمت المبحث عن دخول العلمانية لكثير من البلاد الإسلامية على درجات متفاوتة.
وفي آخر الباب في الفصل الثالث منه الخاص ببيان آثار الفصل بين الدين والدولة تحدثت في المبحث الأول منه عن حقيقة هذا الفصل وفائدته كعامل تقدم في أوروبا وبالمثل ذكرت حقيقته وآثاره الهدامة في العالم الإسلامي معلقًا على الفرق بين الإسلام والنصرانية من حيث فكرة الفصل، ثم هل للفصل مبرر في العالم الإسلامي كما كان له أكثر من مبرر في الغرب، ثم تطرقت لبعض نتائج هذا الفصل وآثاره في العالم الإسلامي التي منها: إنهاء الخلافة وتمزق العالم الإسلامي، ودخول القوانين الوضعية، وضعف الوازع الديني للأمة، ثم تغريب مناهج التعليم ووسائل الإعلام في أغلب البلاد الإسلامية.
الخاتمة
الآن وقد بلغ البحث غايته يجدر بنا أن نقف وقفة قصيرة نستجمع فيها معالمه، ونشير إلى أهم النتائج التي وصلنا إليها فنقول وبالله التوفيق.
لقد حددنا مفهوم الدين بأنه العقيدة التي يؤمن بها شعب ما، ورأينا في المبحث التمهيدي الأول أن الحضارات القديمة المعروفة كانت قائمة على أساس ديني وأن دول تلك الحضارات كانت معتمدة على الأسس الدينية ولاحظنا أن حضارة فارس كانت أحسن حالًا وأكثر ازدهارًا إذا ما قيست بنظيراتها لأنها التزمت الدين الذي قامت عليه، ولاحظنا إلى جانب ذلك ضآلة حضارة اليونان والرومان بالقياس إلى غيرهما لأن ولاء الشعب في هاتين الدولتين لم يكن لدين عام تعتمد عليه الدولة، ولضعف الوازع الديني في نفوس المواطنين.
وبينا أن الله عز وجل أرسل الرسل للبشر، وما كان من أخذ الله لتلك الأمم عندما كذبت الرسل وطغت.
وفي المبحث التمهيدي الثاني أثبتنا بما لا يدع مجالًا للشك أن حضارة دول الغرب ممتزجة بالدين قائمة عليه، ولا يمكن فصلها منه وكل ما حدث إنما فصل سيطرة رجال اللاهوت عن مقاليد الحكم، ورأينا في المبحث الثالث من الباب الثالث أن هذا النوع من الفصل كان سببًا في تقدم أوروبا ونهضتها الحاضرة.
وفي الباب الأول أصلنا فكرة التلازم بين الدين والدولة في الإسلام وبرهنا على ضرورة الاتصال بين الدين والدولة، وضرورة قيام دولة مسلمة تستمد كل تعاليمها ونظمها من هذا الدين، كما أوضحنا نظام الحكم في الإسلام وطريقته وحقوق الراعي والرعية وسمات الدولة المسلمة التي لا يوجد لها نظير في التاريخ الإنساني قديمه وحديثه، وقد تطرقنا إلى مناقشة بعض الكتاب المحدثين، وأوضحنا بطلان دعواهم القائلة بعدم ضرورة قيام الدولة المسلمة، وناقشنا من ادعى تقديم العقل على الشرع، وبينا شطط هذه المقولة.
وبعد أن أصلنا فكرة التلازم التام بين الدين والدولة في الإسلام عدنا لنحكم على التاريخ الإسلامي من خلال هذا التأصيل، فاستعرضنا تاريخ الدولة الأموية والعباسية والعثمانية وغيرها، ورأينا أن الدولة الأموية لم تنحرف عن خط الإسلام إلا من ناحية تحويل نظام الحكم والخلافة إلى ملك وراثي، ورأينا كيف اقتضت ضرورة العصبية ذلك الأمر وإن كان هذا لا يعفيهم من الوقوع في الخطأ، ثم عرضنا لظاهرة التبذير والإسراف، ولاحظنا ما كان لها من أثر سيئ على الأمة الإسلامية.
ثم دار حديثنا عن الدولة العباسية، فأوضحنا أنها استمرت على نفس المنهج الذي سارت عليه الدولة الأموية، وزادت عليها في السرف والإنفاق، وبينا كيف ضعف روح الجهاد لدى المسلمين مما أدى إلى استقدام نوع من الجند النظاميين الذين ما لبثوا أن سيطروا على الحكم عام 247 م، فصار الحكم أشبه ما يكون بالحكم العسكري، وقد لاقت الأمة الإسلامية من جرائه تمزقًا وضعفًا أدى إلى سقوط بغداد عام 656هـ.
ثم رأينا أن سيطرة الجند قد أثرت على مفهوم الخلافة مما تسبب في كثرة الدول التي تعلن انفصالها عن جسم الدولة الأم إلى أن صارت الأمة الإسلامية أشلاء ممزقة.
ثم امتن الله على هذه الأمة الإسلامية بقيام الدولة العثمانية التي جمعت شتات المسلمين، ووحدت كلمتهم ورفعت راية الإسلام وفتحت القسطنطينية، ووسعت رقعة الإسلام من جهة أوروبا، وحمت بيضة الإسلام قرابة خمسة قرون غير أنها ربما ركزت على الناحية العسكرية، لأنها كانت في مواجهة أعداء المسلمين من الشمال والغرب الأمر الذي جعلها تخوض حروبًا ضارية ضد الروس الأرثوذكس، وضد الغرب بمذاهبه النصرانية الأخرى، ولا شك أن هذا التركيز على الناحية العسكرية قد أثر في بعض اهتماماتها التعليمية، ومع هذا ليس من حقنا أن نحملها المسئولية كاملة؛ لأن المسلمين كانوا قد أخذوا في الانحطاط الفكري قبل مجيء الدولة العثمانية. ومن الملاحظ أن الدولة العثمانية لم تكن تسيطر على العالم الإسلامي كله وقد تسبب هذا في تعريض بعض البلاد لإغارات البادية، وللحروب الداخلية، والاستعمار الخارجي، وحتى بعض النواحي التابعة لدولة الخلافة لم تسلم من ضعف النظام، وأغارت البوادي، نظرًا لسوء بعض الولاة.
وقد بينا في المباحث السالفة أن التاريخ الإسلامي قد شهد تشويهًا لا نظير له، وهو تشويه يتطلب من الباحث النزيه أن يكون حذرًا في الاستنتاج، وأن يكون على دراية تامة بظروف العصر الذي يتصدى للحكم عليه وما كان فيه من صراعات ومتغيرات حتى لا تأتي أحكامه خاطئة.
ثم لاحظنا أن المجتمع الإسلامي على مر العصور كان أحسن حالًا من أي مجتمع آخر.