( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (118) .
( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (119) .
وبناء القاعدة الصلبة ينبغي أن يكون هو الشاغل الأول والأكبر للحركة الإسلامية قبل أن تتحرك في أي اتجاه .. وهذه القاعدة - بعد إنشائها بالمواصفات المطلوبة - ستكون هي القيادة التي تقود الأمة للخروج من التيه ..
إذا كان هذا هو حاضر الدعوة ، وحاضر العالم المتكتل اليوم في سعار محموم للقضاء على الإسلام .. فما المتوقع في الغد ؟
المتوقع - من خلال هذا الاضطهاد العالمي للإسلام - أن تنضج الدعوة !
وتلك سنة ربانية يجريها الله من خلال حماقات الطغاة في كل التاريخ:
( وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) (120) .
ستتعلم الحركات الإسلامية من خلال الواقع أن الأعداء لا يحاربون جماعة بعينها ، لأسباب كامنة في تلك الجماعة ، إنما يحاربون الإسلام كله ، في أي صورة من صوره ، والمتوقع - من فضل الله - أن يقرب هذا الأمر بين الجماعات المتباعدة ، ويزيل بالتدريج ما بينها من خلافات ، حين تجد نفسها كلها في خندق واحد ، يحيط به الأعداء من كل جانب ..
وستتعلم الحركات الإسلامية من خلال الواقع أن"معرفة"مقتضيات لا إله إلا الله شيء والقيام بتحقيقها في داخل النفس ثم في واقع المجتمع أمر آخر مختلف ، ومن ثم فإن تعريف الناس بمقتضيات لا إله إلا الله - على كل ضرورته وأهميته - لا يكفي وحده ! إنما المطلوب تحقيق هذه المقتضيات في النفس وفي الواقع ، وتلك مهمة التربية التي لا غنى عنها ، وأنه بغير هذه التربية - في القاعدة على الأقل - تظل الحركة شعارات بغير واقع ، فلا تستحق عند الله التمكين ، ولا تقنع الناس بإمكان التغيير !
وستتعلم الحركات الإسلامية من خلال الواقع أنه لا بد لها من وعي سياسي ، يمنع عنها الانخداع بكل مدّعٍ يدعي أنه تاب وأناب ، وأصبح قائدا للمسلمين ! أو يتظاهر بأنه واقف ضد أمريكا أو إسرائيل وهو على رأس العملاء المتآمرين ! ووعي حركي يمنع عنها الوقوع في المنزلقات التي يستدرجها إليها الأعداء ، ويضبط إيقاع حركتها مع مقتضيات الأحداث ..
وحين تنضج الحركة فكريا ، وأخلاقيا ، وحركيا ، فإنها ستكون أصلب من أن يؤثر فيها كيد الأعداء ، لأنها ستكون على الشرط الذي اشترطه الله:
( إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) (121) .
أما الأعداء فلهم شأن آخر ..
إنهم اليوم - في كل الأرض - طغاة متجبرون يكيدون للإسلام بكل ما يملكون من وسائل الكيد .. والقوة السياسية والعسكرية والإقتصادية والعلمية والتكنولوجية في أيديهم ..
وقد علمتنا وقائع التاريخ - التي هي تحقيق السنن الربانية في واقع الأرض - أن هذا كله بغير"قيم"لا يعيش ! وأن هذه الوسائل كلها تمكّن للباطل فترة من الوقت - بحسب سنة ربانية - ثم ينهار الباطل في النهاية:
( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (122) .
وقد انهار الباطل في نصف الأرض ، وانهياره في بقية الأرض قاب قوسين ..
والبديل الذي يحمل القيم هو الإسلام .. والقيمة العظمى فيه هي الإيمان بالله على بصيرة ، وضبط الحياة بالضوابط الربانية ، وتحقيق المنهج الرباني الخيّر المبارك في واقع الحياة ..
ولكن لا بد من جهد يبذله البشر لتحقيق ذلك كله . فبغير جهد وجهاد لا يتحقق شيء في واقع الأرض ..
وفي الغد المأمول يقوم بهذا الجهد فريقان من البشر ، أحدهما تمثله الصحوة القائمة اليوم في العالم الإسلامي ، التي تزداد قوة ونضجا بما يقع عليها من المذابح والاضطهاد .. حسب سنة الله . والفريق الآخر الذي لا يحسب حسابه كثيرا اليوم ، وهو قدر من أقدار الله ، يجيء في وقته المقدور عند الله ، هو المسلمون من عالم الغرب ذاته ، الذي يتزايد عددهم باستمرار ، وهم من مثقفي الغرب النشيطين في حقل الدعوة ، والنساء منهم خاصة ، اللواتي يتحدين بواقعهن كل مفتريات الغرب عن ظلم الإسلام للمرأة ، ويعلنّ - بواقعهن - أن أعظم تكريم للمرأة هو الذي يقدمه الإسلام .
وفي الوقت المقدور عند الله تقع المعركة الفاصلة التي تتزايد اليوم إرهاصاتها .
( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ) (123) .
( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ) (124) .
"لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ، فيقتلهم المسلمون ، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر ، فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم ، يا عبد الله ! هذا يهودي خلفي ، فتعال فاقتله .." (125) .
وعندئذ يتغير التاريخ .. ويدخل الناس في دين الله أفواجا كما دخلوا أول مرة ـ ويقدر الله جولة أخرى ممكّنة للإسلام في الأرض . ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (126) .
الفهرس العام
تحصين الشباب من الغزو الفكري ... 2
هل يتعرض العرب عامة والمملكة خاصة لهذا النوع من الغزو الفكري ... 42
ثالثا الغزو الفكري ... 44
الغزو الفكري وآثاره على الأفراد والمجتمعات 1 / 2 ... 47
كيف نكون دعاة مصلحين في بلادنا أمام الغزو الفكري والعقائدي الفاسد ... 56
الغزو الفكري وآثاره 2 / 2 ... 59
الغزو الفكري المنظم ... 62
الفكر العقدي الوافد ومنهجية التعامل معه ... 70
الاستشراق ومكانته بين المذاهب الفكرية المعاصرة ... 85
الصرفة دلالتها لدى القائلين بها وردود المعارضين لها ... 101
الفكر العلماني ... 147
العلمانية .. ... 155
نشأتها وتطورها و آثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة ... 155
وفي التاريخ دروس وعبر ... 156
العلمانية ... 162
(أسباب ظهورها ،آثارها ,عوامل انتقالها إلى العالم الإسلامي ,أبرز دعاتها) ... 162
أثر المملكة العربية السعودية الرائد في الاهتمام بالدراسات الاستشراقية ... 191
مظاهر الغزو الفكري ... 309
إني أري الإلحاد عاريًا ... 314
كيف نعالج أسباب ضعف الأمة الإسلامية ... 319
كيف نكون دعاة مصلحين في بلادنا أمام الغزو الفكري والعقائدي الفاسد ... 322
يجيدون الكذب ... 325
خطة عمل لدورة تأهيل الدعاة إلى الله ... 327
طاش ما طاش ... 331