وكان من أبرز ما قامت به كذلك التركيز على معنى لا إله إلا الله ، وأنها ليست مجرد الكلمة المنطوقة باللسان ، وأن الإيمان ليس قولا معزولا عن العمل ، إنما هو - كما قال السلف - قول وعمل .. عمل بمقتضيات لا إله إلا الله في الواقع المشهود .. وقد كان حصر الإيمان في نطق لا إله إلا الله ، أثرا من أثار الفكر الإرجائي من ناحية ، والرغبة في التفلت من التكاليف من ناحية ، والتضليل الذي قامت به أجهزة الغزو الصليبي الصهيوني من جهة ثالثة ، لتخدير المسلمين عن حقيقة لا إله إلا الله ، وصرفهم عن أي محاولة جادة لترجمتها واقعا حيا متحركا كما هي حقيقتها التي نزلت بها من عند الله .
كذلك كان من آثار الصحوة إزالة الانبهار بما عند الغرب ، أو - في القليل - التقليل من آثاره على أرواح الناس .. وقد كان هذا الانبهار من أشد عوامل عبودية الناس للغرب المستعمر ، وتخذيلهم عن مجرد التفكير في مقاومته حتى داخل أفكارهم ومشاعرهم ، فضلا عن مقاومته في الواقع المحسوس .
ومن ميزات الصحوة هنا أنها لم تناد بإغلاق الأبواب على كل ما يجيء من عند الغرب ، ولم تدع إلى العزلة عن ركب الحياة الحيّ ، إنما نادت بضرورة الانتقاء - على بصيرة - مما عند الغرب ، وأخذ ما لا بد من أخذه ، وترك ما لا بد من تركه ، والاستفادة بما أخذ بتطويعه للمنهج الإسلامي ، وليس بتطويع الإسلام لمناهج الغرب ..
ويحسب للصحوة كذلك عملها الضخم في ميدان المرأة .. وقد كان ميدان المرأة من أكبر المجالات التي عمل فيها الغزو الفكري ، لإخراج المجتمع كله من الإسلام .. فالأم هي التي تبذر في أطفالها في سنيهم الأولى مبادئ العقيدة ومبادئ الفضيلة ومبادئ الأخلاق ، فإذا أفسدت الأم وهي بعد فتاة ، فنزعت حجابها ، وأهملت عبادتها ، وشُغِلَتْ عن ربها وآخرتها بالجري وراء"المودة"وأدوات الزينة والخروج من البيت ابتغاء الفتنة والتبرج ، فلن تربي أبناءها حين تصبح أُماًّ على شيء من العقيدة ولا الفضيلة ولا الأخلاق ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه . وقد بذل الغزو الصليبي الصهيوني جهدا جبارا في هذا المضمار ، بحيث يصبح من المتعذر على المرأة المسلمة الملتزمة المتحجبة أن تعيش في المجتمع السافر المتفسخ المتسيب الذي يعج بألوان الفساد .. لذلك ينظر دعاة الغزو الفكري اليوم في ذهول بالغ وحنق محموم إلى ظاهرة الحجاب ، التي لم تشمل فتيات الجامعة فحسب ، بل وصلت إلى"الفنانات"، آخر من يتصور أن يعدن إلى الله !
كل ذلك يحسب - من بعد فضل الله ومَنِّه - لجهود الدعوة في أكثر من نصف قرن .
ولكن الدعوة تعجلت في أمور ، ظنًا منها أنها أصبحت كفئًا لتلك الأمور ..
تعجلت في الصدام مع السلطة ، وتعجلت في طلب الوصول إلى الحكم .
إن الصدام بين السلطة والدعوة - في فترة الاستضعاف - لا يجوز أن يجيء من جانب الدعوة ، إنما هو يأتي دائما من جانب السلطة . وحين تضرب السلطة الدعوة الإسلامية وهي لا تصنع شيئا إلا أن تبيّن للناس حقيقة لا إله إلا الله ، فسيعرف الناس - بشهادة الواقع - مكان تلك السلطة من الإسلام ، وموقفها من دعوة لا إله إلا الله .
أما حين تجد الفرصة لاستدراج الحركات الإسلامية إلى معركة غير متكافئة ، فهي تنجح في تلبيس الأمر على"الجماهير"فتوهمها أنها لا تحارب الإسلام ، وإنما تحارب"التطرف".. فيتأخر بذلك وعي الجماهير بالقضية ، وهو عنصر مهم في الحركة لا غنى عنه.
كذلك التعجل في طلب الوصول إلى الحكم .. إنه قائم على الانخداع بحماسة الجماهير .. والحماسة الوجدانية شيء ، وتجنيد الناس أنفسهم لقضية لا إله إلا الله شيء آخر مختلف .. شيء تصنعه التربية ولا تصنعه الخطب الحماسية ولا الكتب ولا المحاضرات !
والتربية هي الجانب الذي نقول إن الصحوة قد أبطأت فيه ، مع أنها هي العصب الحيّ للدعوة ، الذي يضمن - بعد فضل الله - ثبات القلوب على الحق ، واستقامتها على الطريق ، سواء في مرحلة الدعوة أو في مرحلة التمكين حين يمنّ الله بالتمكين .
إن الحماسة للإسلام جميلة .. ويحسب للصحوة بلا شك تغييرها الصورة العامة للمجتمع - وللشباب خاصة - من الصورة اللاهية العابثة ، المتفلتة المتسيبة ، اللاهثة وراء الغرب ، الغارقة في دنس التصورات ودنس السلوك ، إلى صورة فيها التزام وتعبد ، وانشغال عن اللهو وتوجه إلى الله ، وحماسة للدعوة .
ولكن هذه هي البداية في حين ظن كثير من الدعاة أنها الغاية ..
ما بين الحماسة الملتهبة للإسلام وبين تحقيق متطلبات الإسلام في النفس والواقع وتجنيد الناس أنفسهم له بوعي وبصيرة ، مسافة طويلة تغطيها التربية البطيئة الهادئة الهادفة المستنيرة ..
ولا يمكن بطبيعة الحال أن تُرَبّي أمة بكاملها دفعة واحدة ، ولا يمكن - مهما كان جهد التربية - أن يتربى كل فرد في الأمة على النمط المطلوب . فإن هذا لم يحدث في أي مجتمع من مجتمعات التاريخ ، ولا حتى في المجتمع الذي أنشأ أعظم مرب في تاريخ البشرية ، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد كان في ذلك المجتمع منافقون ، ومُبَطِّئون ، ومثّاقلون ، وقوم ضعاف الإيمان ، وقوم خفاف الأحلام تستطيرهم الشاردة والواردة كما جاء وصفهم جميعا في كتاب الله:
( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (113) .
( وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ) (114) .
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيل ٌ) (115) .
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ) (116) .
( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ) (117) .
نعم .. ولكن القاعدة التي رباها رسول الله صلى الله عليه وسلم على عينه خلال ثلاثة عشر عاما في مكة وعشر سنوات في المدينة كانت من القوة والصلابة ورسوخ الإيمان بحيث حملت هؤلاء جميعا وتحركت بهم لتحقيق الأهداف التي أخرج الله هذه الأمة من أجلها: