فهرس الكتاب

الصفحة 777 من 3028

أصبحت هذه القضية - في صورتها العريضة على الأقل - واضحة تماما في حس الصحوة الإسلامية ، ومنها أخذت تتسرب إلى جمهور كبير من الناس ، فلم يعودوا يصدقون ما يقوله لهم دعاة الغزو الفكري ، ودعاة العلمانية ، ودعاة"التنوير"على منهج الغرب ، بل صاروا يصرفون سمعهم عنهم ، ويتجهون إلى النداء الإسلامي ، وصارت شكوى أولئك أن الكتاب الإسلامي هو أروج الكتب في التوزيع ، وأن الدروس الإسلامية والمحاضرات الإسلامية هي أكثف التجمعات في كل مكان !

وأدرك شباب الصحوة جيدا أن لا إله إلا الله التي تدخل الجنة ، وتغير الواقع المنحرف ، وتنشئ الواقع المنشود ، ليست هي مجرد الكلمة المنطوقة باللسان ! إنما هي الكلمة ، واليقين الذي يملأ القلب ، والعمل بمقتضى لا إله إلا الله .

وأدرك شباب الصحوة أن تربية الروح واجبة ، ولكن لا على طريقة السبحات الروحية المهومة ، التي تستهلك الوجدان الديني دون أن تتحول إلى عمل وجهاد لإزالة المنكر وإقامة المعروف في مكانه .

وأدركت المرأة المسلمة في كثير من بقاع العالم الإسلامي أن الحجاب جزء من دينها فالتزمت به ، على الرغم من كل الدعاية المضادة ، والدفع المضاد ، الذي يقوم به دعاة الغزو الفكري ، والمنحلون والمنحلات ، الغارقون في حمأة الطين .

وأدرك شباب الصحوة أن الثقافة المسمومة التي تقدم إليهم في وسائل الإعلام المختلفة ليست زادًا صالحا لإنشاء الأجيال المسلمة ، وأنه لا بد من ثقافة إسلامية أصيلة ، تستمد مناهجها من التصورات الإسلامية لا من تصورات الجاهلية المعاصرة .

وأن ما يسمى بالعلوم الاجتماعية بصفة عامة ، وعلى وجه الخصوص علم التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع ، ليست علوما موضوعية تؤخذ مقرراتها قضايا مسلمة ، كما حاول الغزو الفكري أن يوهم الناس ، إنما هي"وجهات نظر"في قضايا"الإنسان"و"الحياة الإنسانية"ملونة ابتداء بمواقف أصحابها من قضية الألوهية ، وتصورهم لطبيعة العلاقة بين الكون والحياة والإنسان وبين الله ، خالق الكون والحياة والإنسان . ومن ثم فإن ما يأتي من هذه العلوم من عند الغرب مشوب بالروح المتمردة على الله ، التي تسيطر على القوم هناك ، فلا تؤخذ قضايا مسلمة ، وإنما لا بد من بديل إسلامي في كل هذه العلوم .

وأدرك شباب الصحوة أن الاقتصاد الربوي حرام حرمة لا شبهة فيها ، مهما حاول المزورون أن يزوروا من الحجج والبراهين ، وأنه وصمة عار في جبين المسلمين حين يستخدمونه ، وأنه لا بد من السعي إلى إيجاد بديل إسلامي في مجال الاقتصاد ..

وأدرك شباب الصحوة قبل هذا كله أن الحكم بما أنزل الله قضية متصلة بأصل الاعتقاد ، وأننا لا نستطيع أن نكون مسلمين إذا رضينا بتشريع يحل ويحرم من دون الله .

وسرت هذه المقررات كلها إلى جماهير الناس بخطى ثابتة ، برغم الحديد والنار .. برغم التشريد والتعذيب .. برغم الضغط الإعلامي المصوب بكل عنف ضد هذه المقررات ..

ليس هنا مجال تفصيل القول فيما قامت به الصحوة وما لم تقم به .. إنما كان حديثنا هنا عن الظاهرة في ذاتها .. ظاهرة الصحوة ..

إنها - كما نقول دائما - هي العودة إلى النبض الطبيعي لهذه الأمة . لذلك لا نعجب لكون الأمة قد عادت إلى نبضها الطبيعي ، إنما كان العجب أنها حادت عنه في وقت من الأوقات .

إن الإسلام دين الفطرة .

( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (98) .

وأيًّا كانت الأسباب التي دعت الناس إلى الزيغ في الماضي (99) ، فقد جاءت الصحوة لتردهم إلى الطريق .

جاءت قدرًا ربانيًا قدّره الله ، ليوقظ الأمة من سباتها ، ويردها من تيهها ، لتتسلم مهمتها في الأرض مرة أخرى ، وقد آذنت شمس الحضارة الغربية بالغروب .

إنها حدث تاريخي ، وليست مجرد سطور متناثرة على صفحة التاريخ ..

ونحن نستبشر بالصحوة المباركة على الرغم من كل عثراتها ، ومن كل العقبات المرصودة لها في الطريق .. وعلى الرغم من معرفتنا بطول الطريق ، وأنها ما تزال بعد في أول الطريق !

إنها - بحول الله - أقوى من كل العثرات ، ومن كل العقبات ..

وهذه الحرب المرصودة لها في الطريق لم تكن لترصد ، ولم يكن العالم الصليبي الصهيوني ليتجمع هذا التجمع الشرس الذي رأينا نموذجا منه في البوسنة والهرسك ، لو لم تكن الصحوة شيئا حقيقيا ماثلا في عالم الواقع ، ومبشرا بالمزيد ..

إن الأعداء يعرفون حقيقة هذا الدين:

( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ..) (100) .

ويعرفون أنه إذا استيقظ في النفوس فهو قادر على مصارعة أعدائه مهما تكن قوتهم .. وقادر بعد ذلك على التمكن في الأرض بما أودع الله فيه من قوة الحق ، ورصيد الفطرة ، وعمق اليقين .

وهذا الذي نستبشر به ، ونتوقعه في الغد المأمول .

الغد المأمول

ليس الطريق إلى الغد المأمول مفروشا بالأزهار والورد .. بل هو مفروش بالأشواك والآلام والدماء .. دماء الشهداء الذين سيسقطون في الطريق ..

إن العالم كله اليوم مصرّ على محاولة محو الإسلام من الأرض .

وليست هذه هي المرة الأولى التي يصرّ فيها الأعداء على هذه المحاولة ، منذ بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إلى اليوم ، فقد جاء في كتاب الله الذي أنزل من نيّف وأربعة عشر قرنا قوله تعالى:

( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (101) .

( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (102) .

والضمير في الآيتين يعود إلى ذات الأعداء الذين يريدون اليوم أن يطفئوا نور الله: اليهود والنصارى والمشركين ، وعملائهم من المنافقين:

( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) (103) .

( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ) (104) .

( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (105) .

ولكن ربما كان الفرق بين المحاولة الحاضرة والمحاولات السابقة أنه في المحاولات السابقة كان بعض الأعداء يهاجمون أجزاء من العالم الإسلامي في الوقت الواحد . أما في هذه المرة فالهجوم واقع من جميع الأعداء ، وعلى العالم الإسلامي كله في وقت واحد .

وثمت فارق آخر ، ربما كان هو السبب في الحقيقة في وجود الفارق الأول: هو أن العالم الإسلامي - في مجموعه - لم يكن في وقت من الأوقات أضعف منه الآن ..

وقد تبدو الهجمة الشرسة مستغربة مع ضعف العالم الإسلامي ، واستسلامه لما يراد به عسكريا وسياسيا واقتصاديا وفكريا ، وعجزه عن رد اللطمات المتلاحقة الموجهة إليه عن يمين وشمال .

ولكن ربما يزول العجب إذا عرفت الأسباب ..

وهناك سببان اثنان على الأقل لهذه الهجمة الشرسة التي يتكاتف على توجيهها كل أعداء الإسلام ، حتى الذين بين بعضهم وبعض عداوات حادة كالتي بين الصرب والكروات ، تمنع التقاءهم على أي شيء .. إلا محاربة الإسلام !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت