فهرس الكتاب

الصفحة 776 من 3028

ومع وضوح الفوارق بين حال المسلمين وحال أوربا ، تلك الفوارق التي ترشح لاختلاف النتيجة هنا وهناك ، فإن الصحوة كانت مفاجأة عنيفة لكثير من الناس !

ذلك أنهم نظروا فقط إلى عوامل الهدم المبثوثة - التي جربت أول مرة في أوربا فآتت ثمارها - فظنوا انها - في ذاتها - كفيلة بهدم أي دين في الوجود !

فنشر النظريات"العلمية"الزائفة ، التي تحارب الدين والأخلاق والتقاليد ، وإنشاء مجتمع لا يمارس فيه الدين في واقع الحياة ، ويطلق فيه العنان للشهوات لتستوعب طاقة الإنسان واهتماماته بحيث ينسى ربه وآخرته ، ووضع مناهج تعليمية لا يذكر فيها اسم الله ولا اسم رسوله صلى الله عليه وسلم ، وبث توجيهات في وسائل الإعلام تزين للناس متاع الأرض وتشغلهم به عن الآخرة .. كل ذلك كان كفيلا - في نظر المخططين - بالقضاء على بذرة الدين في نفوس المسلمين ، وإخراجهم من تراثهم وتقاليدهم إلى غير رجعة !

ولكنهم لم يفطنوا إلى حقيقة بدت واضحة فيما بعد ، وهي أن البذور السامة التي ألقوها لتأكل جذور الدين لم تتعمق في التربة الإسلامية كما تعمقت من قبل في التربة الأوربية ، بسبب الفوارق الهائلة بين ما هنا وما هناك !

ولم تكن هذه وحدها هي الأسباب .. وإن كانت هذه وحدها - كما أسلفنا - كفيلة بجعل النتائج تختلف ما بين هنا وما هناك ..

كانت هناك أسباب أخرى صاحبت الناس في التيه ولكنهم لم ينتبهوا لها في حينها .. ثم انتبهوا !

إن النظم المستوردة ، وإن"الزعماء"الذين استوردوا النظم لم ينجحوا في حل مشكلة واحدة من مشاكل الأمة ، برغم كل الدعاية الكاذبة ، وبرغم الجهد كله الذي بذله الطبالون والزمارون .. !

حدث تقدم شكلي في بعض الأمور .. ولكنه لا يخفي الفشل الذريع في سائر الأمور..

خرجت جنود العدو ، ولكن نفوذه السياسي والاقتصادي لم يخرج ، وفي بعض الأحيان زاد !

تعلم الناس قشورا من العلم في المدارس والجامعات ، ولكن الهوة العلمية والتقنية بينهم وبين الغرب لم تنقص .. وفي بعض المجالات زادت عدة أضعاف !

تكونت جيوش"حديثة"، ولكن سلاحها وذخيرتها في يد الغرب ، هو الذي يقرر النوعية والمقدار ، وهو لا يعطى إلا بالقدر الذي لا ينشئ قوة حقيقية ، إنما يستنزف أموال المسلمين ، ويحتفظ لنفسه بالتفوق الجبار !

وامتلأت دور العرض وامتلأت البيوت بالبضائع"الاستهلاكية"التي تستهلك أموال الناس في أدوات الترف ، أما الإنتاج الصناعي الذي يغني الاقتصاد ، ويغني الناس عن الاستيراد ، فبعيد جد بعيد ! بل زاد الاقتصاد تدهورا ، وهبطت العملات إلى القاع !

وفسدت الأخلاق .. لا في مجال الجنس وحده كما يتبادر إلى الأذهان حين تذكر الأخلاق .. ولكن في مجال القيم والمعايير ، فصارت القيم المادية هي المسيطرة على وجدان الناس ، وصار النفاق والوصولية عملة معتمدة في المجتمع ، وصارت أمور الناس تقضى بالرشوة ، ولا تقضى إلا بالرشوة .. وصارت الخيانة هي الأصل ، والأمانة الاستثناء !

وأخيرا جاء العسكر ليحرقوا ما بقي في نفوس الناس من خير من أي نوع .. ويبذروا الشر بذرا في الأرض كالشياطين ..

وفوق ذلك كله ضاعت فلسطين ..

يحسب بعض الناس أن الصحوة لم تكن إلا رد فعل لهذا الفشل في جميع الميادين ..

فشل النظم المستوردة و"الزعماء"المزيفين الذين صُنعوا على عين الغرب ، ونُصِّبوا ليقوموا بالإفساد في بلاد الإسلام .

ولا ينكر أحد أن هذا الفشل كان من المحفزات للصحوة ..

ولكن الناس ينسون أن الجذور الحقيقية للصحوة كانت سابقة على استيراد النظم وفشل الزعماء .. فقد كانت الحركة التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب لتصحيح العقيدة هي الباعث الحقيقي ليقظة العالم الإسلامي ، على الرغم من كل الجهود التي بذلت لمحاولة كبتها والقضاء عليها .

ولقد بدا - لفترة من الوقت - أن الدعوة قد حُصِرَتْ وسُدَّت عليها المنافذ فلم تعد قادرة على الامتداد .. ولكنها لم تكن دعوة ذاتية للشيخ محمد بن عبد الوهاب في داخل الجزيرة العربية حتى يسدوا المنافذ عليها ويكتموها .. إنما هي هي الدعوة التي قال الله عنها: ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ..) (96) .

دعوة تمتد بما أودع الله فيها من الحق ، وما أودع فيها من القوة ، وما أودع فيها من البيان ، يحملها قلبٌ مؤمن فتشتعل في قلبه ، فتمد إشعاعها في الآفاق ..

وحين يحاربونها فقد تسكن حركتها إلى حين .. ولكنها تعود فتؤتي أكلها بأمر الواحد القهار ..

جاءت الصحوة المباركة وهدفها أن تخرج الناس من التيه الذي غرقوا فيه ، وتردهم إلى الطريق الذي تاهوا عنه في وهلة الانبهار .

بل جاءت لتنفض ما كان قد تراكم من الغبش على طريق الدعوة قبل الهزيمة وقبل الانبهار .

جاءت لترد الدين صافيًا كما نزل أول مرة ، بالرجوع إلى منابعه الصافية: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وسيرة السلف الصالح .

جاءت لترد الدين واقعا معيشيا ، لا مجرد وجدانات في داخل القلب ، ولا مجرد كلمات تنطق باللسان ..

جاءت لتربي جيلا جديدا على مقتضيات لا إله إلا الله ..

مهمة صعبة ، ومشوار طويل .. فثمت في الطريق عقبات وعقبات ..

إن العقبات القائمة في وجه الصحوة ليست هي الحرب الخارجية وحدها كما يرى كثير من الناس ..

حقيقة إنها حرب شرسة . فقد تجمع العالم كله اليوم لحرب الإسلام: الصليبية العالمية كلها ، والصهيونية العالمية كلها ، والشرك العالمي كله ، فضلا عن عملاء الصليبية الصهيونية في داخل البلاد ، الذين يحاربون الدعوة بالحديد والنار .. بالسجن والتعذيب .. بالتشويش الإعلامي .. بكل وسائل الكيد التي تخطر على البال .

ولكن هناك عقبات أخرى لا تقل تعويقا للصحوة .. بل قد تكون أشد تعويقًا لها من تلك الحرب .

هناك الركام الذي كان قد تراكم في طريق الدعوة قبل الغزو الصليبي الصهيوني ، من انحراف في العقيدة ، وانحراف في التصورات ، وانحراف في السلوك ، جعل الإسلام غريبا في أرضه ، كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم:"بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ" (97) .

وهناك ركام الغزو الفكري الذي ضلل الناس في مرحلة التيه ، وتوغل في جميع الاتجاهات .

وهناك ثقل"الأمر الواقع"في حس كثير من الناس ، وتصورهم أنه غير قابل للتغيير.

وهناك عدم الإدراك الكامل من جانب الصحوة لمهمتها على وجه التحديد ، ولترتيب الأولويات في مشوارها الطويل ..

وذلك فضلا عن تشرذم الجماعات القائمة بالدعوة ، وتفرقها وتخاصمها ، وغياب القيادة الكبيرة التي تجمّع الشمل وتقود المسيرة .

ولكن الصحوة - على الرغم من ذلك كله - قد قامت بجهد كبير ..

لقد وعي شباب الصحوة الخطوط العريضة على الأقل لحقيقة المشكلة والخطوط العريضة لحقيقة الحل ..

لم يكن ما حل بالعالم الإسلامي من جمود وضعف وتخلف وانحسار نتيجة للتمسك بالدين ، كما أوهموا الناس ، وكما صدقهم كثير من الناس في فترة التيه ! إنما كان السبب بعد الناس عن حقيقة الدين !

ولم يكن الحل هو نبذ الدين واتباع الغرب فيما ذهب إليه من مذاهب .. إنما كان الحل هو العودة إلى الدين !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت