إن أعظم مهمة تواجه"الأمة"في القرن الخامس عشر الهجري هي حل مشكلة التعليم ، وليس هناك أمل في بعث حقيقي للأمة مالم يتم تجديد النظام التعليمي وإصلاح أخطائه ، والحق أن ما نحتاج إليه إنما هو إعادة تشكيل النظام من جديد . إن هذه الثنائية في التعليم [في العالم] الإسلامي وتقسيمه إلى نظامين"إسلامي"و"علماني"يجب أن تزال ويقضى عليها إلى الأبد . يجب أن يدمج النظامان ويتكاملا في نظام واحد وأن يشبّع بروح الإسلام ليصبح جزءا وظيفيا لا يتجزأ من برنامجه"الفكري". يجب ألا يسمح لهذا النظام الجديد أن يكون تقليدا للغرب ولا أن يترك حرا يختط لنفسه أي طريق كان . كذلك يجب ألا يُتهاون معه بحيث يصبح أداة لخدمة الاحتياجات الاقتصادية أو العملية للطلاب من أجل معارف مهنية ، أو تقدم شخصي ، أو منفعة مادية . يجب أن تناط بالنظام التعليمي رسالة ، ولا يمكن لهذه الرسالة إلا أن تكون"نقل الرؤية الإسلامية"، وتربية الإرادة لتحقيقها في الزمان والمكان,
إن القيام بمثل هذه المهمة لاشك أمر صعب ومكلف ، لكن"الأمة"في مجموعها تنفق على التعليم نسبة من مجمل ناتجها القومي وميزانيتها السنوية أقل بكثير مما تنفقه الأمم الأخرى في العالم اليوم، وحتى في الدول الغنية التي ترصد ميزانيات غنية للتعليم فإن معظم ما ينفق يكون على المباني والإداريات وليس على البحوث والأنشطة التعليمية بكل ما في الكلمة من معنى . إن على"الأمة"أن تنفق على التعليم أكثر بكثير مما تفعل اليوم، وذلك لتجتذب أفضل العقول ولتعينهم على أن يحافظوا على النعمة والمنزلة التي أنعم الله تعالى عليهم بها إذ جعلهم"أهل العلم"أو"طلابه".
أولا: توحيد نظامي التعليم
ينبغي أن يوحد النظام التعليمي الإسلامي، المكون من المدارس الابتدائية والثانوية والكليات والجامعات مع النظام العلماني في المدارس العامة والجامعات. هذا التوحيد يجب أن يصطفي للنظام الجديد الموحد ما يتمتع به كل من النظامين من مزايا ، أعني: مصادر التمويل الحكومية والالتزام بالرؤية الإسلامية. كما يجب أن يكون هذا التوحيد فرصة للتخلص من نقائصهما وهي: عدم ملاءمة الكتب الدراسية القديمة ونقص كفاءة المدرسين في النظام التقليدي ، والتشبه بالغرب العلماني في مناهجه ومثله في النظام العلماني.
هذه المزايا يمكن أن تتوفر للنظام الجديد إذا ما وافقت الحكومات المعنية على أن تخصص له الاعتمادات اللازمة دون أن تمارس عليه سيطرة خانقة . لابد من اتخاذ الخطوات اللازمة لجعل هذا النظام التعليمي الجديد مؤمّنا- إن لم يكن مستقلًا تمامًا- من الناحية المالية، وذلك بالحث على إيجاد أوقاف ينفق على النظام أو بعض جوانبه من ريعها . وتلك هي"الأوقاف"التي تعرفها الشريعة وتحميها من أجل صالح الأمة . لقد كان لأوقاف كل"مدرسة"الفضل في ضمان استقلالها في الماضي وتمكين أساتذتها وطلابها من أن يطلبوا العلم ابتغاء مرضاة الله تعالى وحده، وهذا هو الشرط الضروري لوجود أي بحث ناجح عن الحقيقة. كما كانت مؤسسة الوقف هي التي أعطت"المدرسة"شخصيتها الثانوية المتميزة لأول مرة في التاريخ. تلك"المدارس"التي قامت على أساس"الوقف"هي التي كانت النموذج الذي أنشئت على مثاله الجامعات الأولى في الغرب حين أسست منذ ثمانية قرون.
ولكن نتيجة للانفجار المعرفي وللزيادة في عدد الطلاب أيضا فقد أصبحت النفقات اللازمة للتعليم في الوقت الحاضر كبيرة جدا بحيث لا تستطيع الأوقاف وحدها أن تواجهها. ومن هنا يكون من الضروري تخصيص نسبة سنوية من الميزانية العامة. ولكن على الدولة أن يكون لديها القدر الكافي من الحكمة لتتفاوض مع رجال التعليم حول مقدار المعونة الحكومية وأن تأتمنهم على استخدامها على أفضل وجه ممكن. وإذا كانت الجامعات الحكومية في الغرب تفعل هذا، فمن اللغو أن يزعم أحد أن المسلمين الملتزمين بتعاليم القرآن غير قادرين على فعل الشيء نفسه. إن الأمة التي لا تحترم المتعلمين من أبنائها وبناتها ولا تبذل من نفسها لتنقل إليهم تراث أسلافهم الروحي والثقافي ولا تمكّن شبابها من أن يضيفوا إلى تقاليدهم ويثروها، مثل هذه الأمة لا خير فيها ولا مستقبل لها. إنه الدليل على الطغيان ألا تأمن الدولة رجال التعليم فيها على القيام بوظائفهم دون رقابة بوليسية على المؤسسات التعليمية. كما أن من أدلة التدهور أن يضطر المتخصصون في التعليم إلى أن يتلقوا من الحكام السياسيين تعليمات عن ماذا يدرّسون وكيف يديرون شؤونهم الأكاديمية.
ثانيا: غرس الرؤية الإسلامية
ينتظر من هذا الاتحاد بين النظامين أن يؤدي إلى شيء أبعد من مجرد توفير الوسائل للنظام الإسلامي وتحقيق الاستقلالية للنظام العلماني... إن من المنتظر منه أن يزود"العلماني"بالمعرفة الإسلامية و"الإسلامي"بالمعرفة الحديثة. بالنسبة للتعليم الابتدائي والثانوي يجب وضع حد لجريمة ترك الشباب المسلم تحت أيدي المبشرين ورجال التعليم غير المسلمين. من حق كل شاب مسلم أن يتلقى تعليمًا دينيًا كاملًا عن الإسلام: نظامه الأخلاقي وتشريعاته وتاريخه وثقافته. إن الأمة كلها، أو أي جزء منها، وكذلك القادة فيها مسؤولون قانونًا ومعرضون للعقاب أمام الله إذا هم أخفقوا في توفير هذا التعليم الأساسي عن الإسلام لكل شاب مسلم.
ومثل هذا تمامًا يقال عن تعليم الكبار أيضًا. إن الطفل يجد من والديه أو من المسؤول عنه من الرعاية ما يقيه من ارتكاب منكر يكرهه الإسلام ومن التعدي على حدود الشريعة. أما البالغ فهو خلو من هذه المتابعة. إنه غرض مستهدف من قِبَل الدعايات غير الإسلامية داخل الجامعة وخارجها. ففي قاعات الدرس وفي القراءات المقررة تعرض عليه باستمرار أفكار ومبادئ أجنبية باسم العلم والتقدمية. هذه الأفكار وأنماط السلوك غير الإسلامية يزعمون له أنها حقائق علمية وأنها مبينة على حقائق موضوعية. هذا الطالب المسلم قدم إليه الإسلام أيام حداثته من خلال صوت السلطة الوالدية. وقتها لم يكن عقله قد نضج بالقدر الكافي لفهم الدعاوى"الموضوعية"أو تقديرها قدرها. لهذا كان ارتباطه بالموقف الإسلامي ناشئًا عن العاطفة وليس عن اقتناع مدعم بالدليل. وواضح أن التزامه هذا بالإسلام لا يمكن أن يثبت أمام انقضاض الحقائق التي تلبس ثوب"العلمية"و"الموضوعية"و"الحداثة". ولهذا السبب فإن طالب الجامعة المسلم لا يلبث أن يستسلم لهذه الدعاوى العلمانية ويؤمن بها نتيجة لغياب أي عرض لقضايا الإسلام يناهض تلك الدعاوى، مدعومًا بنفس القوة من"الموضوعية"و"العلمية"وبنفس المستوى من"الحداثة". وعلى هذا النحو تبدأ عملية سلخ طلاب الجامعات المسلمين عن دينهم. فبعد أربع سنوات من هذا التأثير التغريبي داخل الجامعة ، والتأثير الآخر الذي يساويه وربما يفوقه، والذي يأتي من وسائل الإعلام أو من قرنائه ومجتمعه، يتم القضاء على الوعي الإسلامي لدى المسلم. ولا عجب بعد ذلك أن يصبح من الناحية الثقافية ماديا متشككا ، لا هو بالمسلم ولا هو بالغربي رغم أنه في وطنه، ويكون على استعداد للسير وراء كل من يلبي له شهواته الآنيّة.
(1) فرض تدريس الحضارة الإسلامية: