إن المحصلة النهائية لذلك ليست النموذج الغربي المنشود ، وإنما صورة مهزوزة منه ، مهما تكن الدعاوى الكثيرة التي تزعم غير ذلك. إن النموذج الغربي في التربية - شأنه شأن النموذج الإسلامي- يقوم أساسا على رؤية محددة ولكنها مباينة للرؤية الإسلامية ..ويقوم على عزيمة تنفث فيه الحياة ليحقق هذه الرؤية... إن المباني والمكاتب والمكتبات والمختبرات وفصول الدراسة والقاعات الكبيرة التي تعج بالطلاب ليست سوى أدوات مادية لا قيمة لها بدون رؤية واضحة، ومن طبيعة الرؤية أنها لا يمكن أن تقلَّد أو تستنسخ ، وإن كانت مظاهرها الخارجية والعَرَضية فقط يمكن أن تقتبس . ولهذا فإن المسلمين في خلال هذين القرنين من التربية العَلمانية لم ينتجوا شيئًا يوازى في الإبداع أو الامتياز ما في الغرب - لم ينتجوا مدرسة أو كلية أو جامعة أو جيلًا من العلماء المتميزين... والنتيجة الحتمية لغياب هذه الرؤية هي هذه المشكلة المستعصية على الحل - مشكلة انخفاض المستوى في مؤسسات العالم الإسلامي... إن البحث الأصيل عن المعرفة لا وجود له دون"روح"تبعث فيه الحياة ، وهذه الروح هي بالذات ما لا يمكن اقتباسه ، وذلك لأنها تتولد من الرؤية الواضحة للنفس وللعالم وللحقيقة ، أي من الدين... وهذا هو ما يفتقده نظام التعليم في العالم الإسلامي اليوم... إن القيادات التعليمية عندنا ليس لديها بالطبيعة رؤية الرجل الغربي ، كما أنها باختيارها - أي بسبب الجهل والخمول والسلبية - لا تمتلك الرؤية الإسلامية... إنها قيادات مادية المنزع ، ليس لديها ثقافة أو قضية تشغلها... لقد أصبحت القومية هي مصدر الإلهام للجامعات الغربية طيلة القرنين الماضيين ، وذلك لأن"الرومانسية"قد استبدلت"الأمة"بإله المسيحية الذي مات [بزعمهم] ، وجعلت من الأمة"الحقيقة المطلقة"والأصيلة... أما بالنسبة للمسلم فليس هناك"حقيقة مطلقة"سوى الله ؛ ومن ثم فإن الولاء المطلق للأمة أو للدولة عنده ليس أمرا مستحيلا فقط وإنما هو كفر... ومهما تكن الرابطة التي تربط المسلم بتراثه وماضيه ، فمن غير الممكن بالنسبة له أن يكون"قوميا"بنفس المعنى الذي لدى الأوروبي الذي تخلص من مسيحيته.
أنظر إلى المثل الأعلى للمدرس في الجامعات في العالم الإسلامي، أعنى الأستاذ الحاصل على الدكتوراه من إحدى الجامعات الغربية... لقد تعلم في الغرب وتخرج بمعدل متوسط أو دون المتوسط، ولما لم تكن دوافعه دينية ، بمعنى أنه لم يطلب العلم ابتغاء مرضاة الله جل وعلا ، بل لأهداف مادية أنانية (أو قومية على أحسن تقدير) فإنه لم يحرص على نيل كل المتاح من العلوم في الغرب ، ولم يستطع أن يتفوق على أساتذته الغربيين في مجالاتهم ، كما لم يتمثل ما تعلمه ولا حاول بالطبع إعادة تقييمه في إطار الرؤية الإسلامية للمعرفة وللحقيقة على غرار ما فعل أسلافه الذين تعلموا علوم الأمم القديمة من يونان وفرس وهنود وصبغوها بالصبغة الإسلامية... وبدلًا من أن يفعل ذلك ، اكتفي هذا الأستاذ بالنجاح ونيل الدرجة ثم العودة إلى بلده ليحصل على منصب يهيئ له الثروة والرفعة... ويكفيه ما قرأه من كتب أثناء الدراسة إذ لم يعد لديه الآن وقت أو طاقة أو دافع ليمد من آفاق معرفته إلى أبعد مما حصل... بل إن ظروف عمله ومعيشته لتزيد في إلهائه عن التطلع إلى مثل تلك الآفاق العليا... أما طَلَبته فمن الطبيعي أن يتخرجوا على يديه وهم أقل منه كفاءة وأضعف دفاعًا... حتى المثَل الأعلى الغربي صار في نظرهم أبعد وأضأل... وهكذا تهبط المستويات ويصبح التعليم الغربي في بلاد المسلمين صورة مهزوزة لحقيقته في الغرب.
إن المواد والمناهج التي تدرس في البلاد الإسلامية حاليًا إنما هي نسخ مما عند الغربيين لكن مع افتقارها للرؤية التي تمدها بالحياة في بيئتها الأصلية... وهي بهذه الصورة تصبح من عوامل الضعف ، هذه المواد والمناهج التي لا روح فيها تظل - بشكل لا شعوري - تؤثر في الطالب تأثيرًا سيئًا معاديًا للإسلام من حيث إنها تقف كبدائل للمواد والمناهج الإسلامية وكعوامل للتقدم والتحديث. إنها تجعل من الخريج في جامعات العالم الإسلامي نموذجًا للشباب المغرور الذي يظن نفسه العلم مع أنه في الحقيقة لا يعرف إلا قليلًا.
وهكذا تصبح إمكانية تفوق الطالب المسلم في علوم الغرب أمرًا بعيد المنال، ذلك لأن مثل هذا التفوق يتطلب من الدارس تصورًا شاملًا لمجموع المعارف في مجال الدراسة، كما يتطلب منه أن يكون مدفوعًا بفكرة تحركه ليستوعب هذه المعارف ثم يتجاوزها ويزيد عليها. هذا الاستيعاب الشامل والتفوق ثمرة للدوافع والفكرة المحركة، والأخيران لا يتولدان إلا من الالتزام بقضية. أما بدون قضية فلا يمكن أن ينهض الدارس ليستوعب مجموع المعارف في مجال دراسته. وإذا لم يستوعبها فكيف يمكنه أن يتجاوزها ويتفوق عليها؟! وليس للمسلم من قضية يلتزم بها سوى الإسلام. وإذا لم توجد هذه القضية فمحال أن يصل المدرسون الذين تعلموا في الغرب إلى استيعاب شامل للمعرفة... وإذا فقدوا - كمدرسين في الجامعات - هذه المتطلبات الضرورية للتفوق فهل يمكن أن يمنحوها لطلابهم؟ إنهم عادة يقنعون باستنساخ ما حصلوه من معارف جزئية أو بترجمتها ، وهذا يؤدى بهم وبطلابهم إلى ضعف في مستوى الأداء على أحسن الاحتمالات.
إن المأساة الكبرى للتعليم في العالم الإسلامي تتمثل يقينًا في أن الأساتذة في جامعات العالم الإسلامي لا تسيطر عليهم الرؤية الإسلامية ولا تحفزهم قضية الإسلام... إن الطلاب في كل بلاد العالم الإسلامي يدخلون الجامعات وكل ما تسلحوا به - فيما يتصل بالرؤية الإسلامية - معلومات ضئيلة عن الإسلام تلقوها في بيوتهم أو في المدرسة الابتدائية أو الثانوية... وواضح أن هذا لا يكوِّن"رؤية"ولا يوجِد"قضية"... ومن هنا، فإن الطالب المستجد يدخل وهو كالصفحة البيضاء من حيث"المبادئ"... إنه قد يحمل بعض العواطف ، لكنه بالتأكيد خلو من"الأفكار والمبادئ"الواضحة... فهذه العواطف - إن وجدت - لن تلبث أن تنهار حين تواجَه بما يقدمه له"العلم"في مجال التخصص على أنه"مبادئ"و"حقائق"وأحكام"موضوعية"في حين أنه ليس لدى هذا الطالب شيء يدفع به عن نفسه من نحو تصور إسلامي واضح يمكنه من المواجهة على هذا المستوى"الفكري". إن هذا الطالب إذا تخرج ولم يتأصل لديه الإلحاد أو العلمانية أو الشيوعية فإن الإسلام سيكون في نظره قد انحسر إلى مجرد رباط عاطفي شخصي بينه وبين أسرته أو الناس من حوله... أما الإسلام النابض بالحياة الغنى بأفضل المبادئ التي تلائم وتحل كل مشكلة فإنه لا يدرى عنه شيئًا... وعلى مستوى"الفكرة والمبدأ"نجد الطالب في جامعات العالم الإسلامي يواجِهُ الأفكار والمبادئ الأجنبية التي تقدم إليه في الكتب أو في قاعات الدرس بوسائل دفاع لا تجدي فتيلًا ، إنه يكون أشبه بجندي يواجه بالسيف والرمح جنديًا آخر مدججًا بالدبابة والمدفع ... وليس هناك مكان في العالم الإسلامي يدرّس فيه التصور الإسلامي لمجموع الطلاب كما يدرس التصور الغربي لطلاب المدارس الثانوية في الغرب، أعنى بنفس ذلك المستوى من التناسق والشمولية والجدية والالتزام الفائقين بالنسبة لجميع الطلاب... فليس هناك جامعة في العالم الإسلامي تجعل مثل هذا التصور الإسلامي جزءًا من البرنامج الدراسي الأساسي وتفرضه على جميع الطلاب.
الفصل الثاني
الواجب المطلوب