وخامسها: أن دخول أطراف خارجية في العملية التعليمية يعني تعريض أمن الأمة للخطر؛ وذلك حين يتعرض دين الأجيال للتحريف وعقولهم لألوان الغزو الفكري، وهي مسألة لا تقل خطورة عن السماح للأجانب بالالتحاق بالجيش أو أجهزة الأمن التي تسهر على حماية البلاد، بل تزيد؛ لأنها تؤدي مستقبلًا إلى وجود مثل هذه الفئات داخل هذه المؤسسات دون أن ندرك حقيقة الدور الذي تقوم به.
إننا كثيرًا ما نلمس آثار هذه المدارس على المتخرجين فيها، لكن ما يغيب عنا أكثر، دون أن يكون لنا ـ أفرادًا أو مجتمعات ـ دور يتفاعل مع قضية بهذه الخطورة.
سادسًا: إن الحديث عن التعليم الأجنبي اليوم لا يمكن التطرق إليه بمنأى عن الخريطة التعليمية القُطرية والعولمية؛ فلم تعد المدارس الأجنبية هي الخطر الوحيد في المجال التعليمي؛ بل ينبغي تصور خريطة المخاطر المحتفة بالتعليم اليوم؛ فهناك مدارس الإرساليات (علمانية، ودينية) ، وهناك المدارس الدينية التي تخص الطوائف النصرانية التي تعيش في بلداننا الإسلامية، والمدارس الخاصة التي تقتفي أثر هذه المدارس، إلى جانب التعليم العام المنجذب مغناطيسيًا نحو مجال هذه المدارس كنموذج.
إن نظرة الأمم إلى مسألة التعليم تنطلق من نظرتها لذاتها ودورها وهدفها الأبعد على هذه الأرض وما بعد الأرض؛ ومن ثم فإن الخريطة التعليمية لأي دولة يمكن أن تنبئنا بتطلعات هذه الدولة إلى المستقبل، ويمكن إيضاح ذلك من خلال عدد من التجارب والمواقف:
* كان للتعليم الشرعي دوره الذي بهر العالم كله في نموذج طالبان وسيطرتها على الأوضاع داخل أفغانستان بسهولة، والبدء في خطط تنموية حقيقية رغم الحصار الشديد وضعف الإمكانيات؛ مما جعل التقارير العالمية توصي باتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة بصدد هذا النوع من التعليم في الدول الإسلامية الأخرى، ومن ثم قامت النخب العلمانية بتصفية هذا النوع من التعليم بعدة طرق في تركيا ومصر واليمن وباكستان وغيرها، وما يحدث الآن في أفغانستان يعيد للأذهان حملة نابليون للقضاء على بواكير النهضة العلمية والحضارية التي كادت تزهر في أحضان الأزهر، وزرع التعليم البديل (1) .
* كان للمدارس الدينية دورها في إنجاح الثورة الإيرانية في أواخر السبعينيات، كما كان للتعليم الغربي دوره اليوم أيضًا في الانقلاب السلمي على الثورة هناك.
* النهضة الاقتصادية الماليزية بدأت أيضًا بالتعليم؛ ففي سنة 1985م أقيمت مؤتمرات وطنية لقضية التعليم، وقررت أن تكون ماليزيا دولة صناعية؛ ولذا تغيرت مناهج التربية والتعليم على هذا الأساس، كما تغيرت نظم البعثات الدراسية، والهجرة والاستثمار في غضون 10 سنوات، وكانت النتيجة أن ماليزيا أصبحت عاشر دولة صناعية في العالم سنة 1995م.
* نموذج الصين واليابان والهند وألمانيا وهي تجارب دول عانت من مشاكل أكثر عددًا وأضخم من المشكلات التي يعلق عليها العرب خيبتهم التعليمية والتنموية؛ ومع هذا استطاعت هذه الدول حين ملكت الإرادة أن تقفز من خلال تعليم هادف قفزات سريعة في فترة محدودة.
* وفي كشمير المحتلة عملت الهند على محاربة التعليم الإسلامي ونشر التعليم العلماني، وتشجيع الحركات العلمانية على حساب الحركات الإسلامية؛ وخاصة بعد ظهور الحركات الجهادية لطمس هوية كشمير وإذابتها داخل المستنقع الهندي.
* كان للمدارس الدينية دورها في إيجاد تيار واسع له أثره البالغ في توجه الدولة اللقيطة وتعاملها مع العرب (1) .
* وأخيرًا كان للتعليم الأجنبي أثره البالغ على أمن المنطقة العربية واستقلالها من خلال تربية أجيال لا تؤمن إلا بالفكر الغربي، ولا تعرف غير الحضارة الأوروبية، وتتنكر لدينها وحضارتها وقيمها الأصيلة، وكان لهذه الأجيال العير والنفير في مختلف المجالات.
إطلالة على الوجود التعليمي الغربي:
في عام 1863م اقترح المنصِّر هاملين على صديقه روتشيلد اليهودي إنشاء مدرسة ثانوية بجوار «قلعة الروملي» قائلًا: «لقد أنشأ الأتراك حصنًا لفتح إسطنبول، وأنا سأنشئ هنا مدرسة لهدمهم» . هذه العبارة على وجازتها تلخص لنا الدور الخطير الذي لعبته المدرسة الأجنبية في تفكيك العالم الإسلامي وتفتيت ريحه؛ لقد مكر أهل الكتاب مكر الليل والنهار لرد المسلمين عن دينهم تارة بحروب صليبية وتارة بتدبير المكائد الداخلية، وفي كل مرة كان العالم الإسلامي يهب هبته ينفض عنه مسة أهل الكتاب، وفي كل مرة كان الغرب يبحث عن لبنة سنمَّار حتى ظفر بها أخيرًا؛ إنه حبل التلقي الموصول بالله عبر المسجد والمدرسة والأم.. فلتكن المعركة في هذه الساحة لا بهدمها كما صنع بونابرت وإنما بتفريغها من محتواها أولًا وتبديله بمحتوى مخالف أيًا كان هذا المحتوى ليفعل فعل السرطان في الجسد عندما تتغير كيميائية خلية واحدة.
يقول جب في كتابه: (وجهة الإسلام) : «إن إدخال طرائق جديدة في البلاد الإسلامية كان يتطلب نظامًا جديدًا في التربية من عهد الطفولة في المدارس الابتدائية والثانوية قبل الانتقال للدراسات العالية، وإن إصلاح التعليم [يسميه إصلاحًا!] على هذا النحو لم يكن في ذلك الوقت يخطر على بال السلطات المدنية الإسلامية، ولكن الفراغ ملأه هيئات أخرى؛ فقد انتشرت في منتصف القرن التاسع عشر شبكة واسعة من المدارس في معظم البلاد الإسلامية ولا سيما في تركيا وسوريا ومصر؛ وذلك يرجع غالبًا إلى جهود جمعيات تبشيرية مختلفة، وقد كان أكثرها عددًا المدارس الفرنسية، وقد كانت المدارس الإنجليزية في الإمبراطورية العثمانية أقل مما في الهند، وكانت المدارس الهولندية قاصرة على جزر الهند الشرقية» .
وقد ارتبط التعليم الأجنبي منذ وفوده على البلاد الإسلامية ـ كما ذكر جب ـ بالإرساليات التبشيرية، وتنسب بداية المحاولة إلى الإسباني (ريمون لول) ، ثم أخذت الجمعيات التبشيرية في الانتشار في أواخر القرن 18 وأوائل الـ 19 التي كان أحد أهم مناشطها التعليم، خاصة مع تحول الكنائس الكبرى في أوروبا من الإطار الكهنوتي البحت إلى الإطار التعليمي بإنشاء المدارس والمعاهد التابعة لها، وقد بدأت الإرساليات تمارس نفس الدور في العالم الإسلامي خاصة حين أخفقت الأساليب المباشرة للتبشير شرعت في أداء الدور التعليمي، وخاصة بعد أن رأى المبشرون من خلال مؤتمراتهم وخبراتهم المتبادلة أن العمل في جانب الصغار أجدى بكثير من الكبار وفي جانب الفتيات أخطر منه في البنين.
وقد كان الغرض الملحُّ على العقل الأوروبي من بناء المدارس ـ كما قلنا ـ هو حل المسألة الشرقية من الداخل بعد أن استغلق حلها من الخارج.. والناظر في تاريخ سقوط الخلافة يعلم بحق أثر هذه المدارس في الكيد لأهل الإسلام؛ فقد لعبت دورًا أعظم مما أداه جميع سفراء الدول ومعتمديهم السياسيين باعتراف الغرب نفسه.
كانت الشرارة الأولى قدحت في بيروت بإنشاء مدرسة للبنات في الإمبراطورية العثمانية سنة 1830م؛ لأن البنات سيكُنَّ أمهات؛ فإذا تربَّيْن في هذه المدارس النصرانية أثرن على أولادهن!! وكانت تعنى ببنات الأسر والبيوت الكبيرة اللاتي سيكون لهن السيطرة على الجيل المقبل؛ ولهذا قال بعض دعاتهم: «إن مدرسة البنات في بيروت هي بؤبؤ عيني» !!