يريد المؤلف أن يقول: إنَّ من أسباب صدور هذه الاختيارات الفقهية - التي يمكن أن نسميها جرعة لتنشيط حركة سفور المرأة، ويجوز لنا أن نطلق عليها أنها مواد دخلت في تكوين هذا الوضع المزري للمجتمع المسلم بشكل عام،وللمرأة بشكل خاص، كالقول بجواز تمثيل المرأة مع الرجل وأمام الرجال - إنَّ من أسباب ذلك:الفهم الخاطئ لحديث «الدين يسر» (3) وحديث: «يسروا ولا تعسروا» (4) وقوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج: 78] .
فليس في كلام الله ولا حديث رسوله التيسير الذي يذهبون إليه، وحاشى لله ورسوله أن يفهم من كلامهما أن التيسير هو تيسير الانحراف في المجتمع، وتيسير الدعوة إلى الرذيلة بين المسلمين، وتيسير الاختلاط بين الجنسين، وتيسير الطريق أمام برنامج التغريب، ورفع الحرج عن دعاة تحرير المرأة لإفساد المرأة!! فليس في كلام الله ولا كلام رسوله الدعوة إلى الاختلاط باسم التيسير، وليس في نصوص الشارع الدعوة إلى الرذيلة تحت مسمى رفع الحرج، وليس في الآيات والأحاديث أن قفل باب سفور المرأة من العسر المنهي عنه، أو أن قطع حبل المؤامرة ضد المرأة المسلمة من التنفير عن الدين، أو من وضع الحرج في الدين، أو أن تحريم المباح الذي دلت التجربة على أنه درجة من درجات فساد المجتمع، وشهد الزمن على أنه بداية انتشار الرذيلة أن ذلك من العسر المنهي عنه، وليس في الآيات والأحاديث أن سوء الظن ببرامج قامت التجربة المعاصرة على أن غايتها نشر الدعارة، ونهايتها الخنى أن ذلك من العسر المنهي عنه، أو من التنفير من الدين، أو من الحرج المحرم، أو أن تفعيل قاعدة (سد الذرائع) في مجتمع يغزى في عقر داره من منظمات التنصير التي شهد العقل السليم لها بالنجاح في تحقيق أهدافها السيئة في المجتمعات المسلمة، وتفعيل هذه القاعدة أمام مشاريع وأطروحات الغزو الفكري المنظم والخفي في آن واحد، والتي شهد لها القلب الواعي والعقل السليم بالنجاح، وظهرت آثارها الوخيمة على دين المسلمين أن تفعيل هذه القاعدة من العسر المحرم، ومن التشديد المحظور، ومن التنفير المنهي عنه، ومن وضع الحرج المرفوع !
فلا يقول هذا شخص يفهم المقاصد الشرعية، ولا يتفوه بهذا شيخ يعرف الحكمة من الشرع أو يدرك روح التشريع.
** الأمر الثامن:
يوصي الكتاب المشايخ إلى إيقاف هرولة المجتمع نحو الغرب، وإيقاف ركضة المجتمع نحو الشرق، وشلّ حركة التغريب والغزو الفكري، وذلك بالفتاوى ولو كانت بالقول المرجوح، فالقول المرجوح هو الراجح ما دامت المصلحة فيه، وغايته قصد الشارع،وفيه روح التشريع وقائم على الحكمة المطلوبة في قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125] .
ويدعو المؤلف الفقهاء إلى كسر الدرجة الأولى من سلم الرذيلة قبل أن يركبه الناس، ووأد بذرة التبرج والسفور في تربتها قبل أن تنبت وتثمر، ويشتد عودها، ويمتد جذرها في الأرض فحينئذ يصعب خلعها، والوأد والكسر لا يتمان إلا بالفتوى المحرمة لما ظاهره الإباحة وباطنه بذرة الرذيلة، ويحث الكاتب على إساءة الظن بالمظاهر المشبوهة والممارسات المشتبه فيها، والتي دلت التجربة على أنَّ ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، ويحث الكاتب المفتي على تقييد قاعدة (الأصل في الأشياء الإباحة) بالتجربة المعاصرة لبعض المباحات والتي كانت سببًا للمحرمات، ويحثهم على تحجيمها في هذا الزمن زمن هرولة المجتمعات المسلمة نحو تقليد الغرب، وركضتهم تجاه التشبه بالشرق.
وغاية كتاب «حراسة الفضيلة» ونهاية قصد الشيخ بكر أبو زيد هو تفعيل مبدأ (سد الذرائع) في هذا العصر، والالتفات إلى تجربة علماء السعودية في تفعيل هذا المبدأ، ونتيجة هذا التفعيل الحسنة على المجتمع السعودي، والنظر إلى آثار هذا التفعيل من هؤلاء العلماء على الدين الإسلامي والأخلاق الإسلامية واللغة العربية.
(1) أخرجه البخاري (6133) ومسلم (2998) من حديث أبي هريرة.
(2) أخرجه أحمد في المسند (3/8) ،و البخاري في الأدب المفرد (565) ،والترمذي (2033) وقال الترمذي حسن غريب والحديث فيه دراج وهو ابن سمعان أبو السمح عن أبي الهيثم وهو ضعيف
(3) أخرجه البخاري (39) ، ومسلم (2816) من حديث أبي هريرة.
(4) أخرجه البخاري (69) ، ومسلم (1734) من حديث أنس.
التعليم الأجنبي.. مخاطر لا تنتهي!
مهيمن عبد الجبار
إن الحديث عن المدارس الأجنبية حديث يتلاقى ويتماس مع كثير من نقاط واقعنا المعقد؛ فهو يتناول التربية العقدية بمفهومنا ولفظنا، كما يتناول التنشئة السياسية من جهة أخرى، ويتناول قضية الهوية بجوانبها وتشعباتها، وهي سر من أسرار تخلف التنمية، ولها ظلالها الإعلامية والتعليمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، ويمس عصب الأمن القومي.
ولكي نتصور القضية تصورًا صحيحًا لا بد أن نضع في اعتبارنا عدة أمور:
أولها: أن التعليم الأجنبي يأتي ضمن منظومة واسعة لتغريب الأجيال وإبعادهم عن دينهم تتضمن التعليم والإعلام والثقافة، ويتستر خلفها التبشير والاستشراق والاستعمار، وتساندها بقية الأدوات.
وثانيها: أن الكلام حول التعليم الأجنبي يتناول المدارس الأجنبية ومدارس الإرساليات التبشيرية ومدارس الجاليات بالأصالة، كما يشير إلى مدارس اللغات والمدارس التجريبية التي تقفو أثر المدارس الأجنبية ـ وإن تسمَّت بأسماء عربية ـ بالتبعية، كما يتطرق الحديث إلى الابتعاث إلى الدول الغربية.
وثالثها: أن حديثنا عن دور ومخاطر هذا النوع من التعليم يزيد من شأنه ـ ولا يهون ـ ما يتم للتعليم الوطني اليوم في كثير من بلادنا الإسلامية تحت مسميات التطوير والتحديث، ضمن ما يعرف بالعولمة التعليمية التي ترعاها المؤسسات الدولية وتدفع إليها الدول الغربية.
ورابعها: أن التعليم في الإسلام يعني عملية إفراز وتنمية للولاء العقدي الذي هو أعلى وأوثق أنواع الولاء، كما يرتبط بقيمة وجودية للأمة الإسلامية هي الهداية كما قال ـ تعالى ـ: { وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } [آل عمران: 79] .
كما يرتبط بقيمة أخرى في الآخرة هي الوقاية من عذاب الله ـ تعالى ـ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } [التحريم: 6] ، وهذا ـ كما قال المفسرون ـ يتم بالتعليم والتأديب، وفيه ملمح مهم وهو ارتباط التعليم بالإصلاح، على عكس ما يحدث اليوم في التعليم الأجنبي.