فهرس الكتاب

الصفحة 688 من 3028

* • ولئن كانوا قد استخدموا الإسلام في بادئ حركتهم- كما استخدمه قاسم أمين وغيره- ليتترسوا به من قذائف المعارضين، الذين سيرمونهم- ولا شك- بالمروق من الدين، فإن هذه المرحلة سرعان ما استنفدت أغراضها، ووقفوا موقفهم الحقيقي من الإسلام، وهو موقف النبذ والمعارضة والهجوم، على مرحلتين متتابعتين- بحكم الظروف- الأولى هي مهاجمة [التقاليد] .. والأخرى هي مهاجمة [الدين] باسمه الصريح. في مرحلة الهجوم الأولى هاجموا التقاليد التي كانت ظالمة بالفعل، من تأثير الردة الجاهلية التي كان المجتمع الإسلامي قد ارتد إليها نتيجة تخلفه العقدي، وعدم تطبيقه الإسلام على صورته الحقيقية، ولكنهم حرصوا على أن يدخلوا في دائرة الهجوم التقاليد الإسلامية الحقيقية التي قررها الله ورسوله، إلى جنب مع التقاليد الفاسدة، ويطلقوا عليها جميعا أنها تقاليد [بالية] ينبغي أن تحطم وأن تغير، كما حرصوا على أن يسموها كلها بأنها من تراث العصور الوسطى [المظلمة] ، التي ينبغي لها أن تمحى من الوجود في العصر الحديث.. عصر النور.. والتحرر.. والانطلاق!

* • وكان في هذا الهجوم- على هذا النحو- خبث ماكر ولا شك. فحقيقة إن كلا النوعين من التقاليد- الصحيح والفاسد- كان قائما في الحياة الإسلامية، بعضه إلى جانب بعض، ولكن كان من السهل- لو خلصت النيات- فرز هذه من تلك، والإبقاء على التقاليد الحقة، المستمدة بالفعل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومحاربة التقاليد الفاسدة، التي جاءت من الردة الجاهلية في شأن المرأة، حتى لو اقتضى الأمر خوض معركة مع المتمسكين بها، فإنما برز [العلماء] في حياة هذه الأمة بالمعارك الحادة التي خاضوها ضد انحرافات المجتمع، ولو كان المجتمع كله غارقا فيها، وتركوا بصماتهم الإصلاحية بمقدار ما بذلوا من جهد، وبمقدار ما كان هذا الجهد مخلصا متجردا لله.

* • لكن الخبثاء استغلوا ما غشي الإسلام من غبش في نفوس معتنقيه، فلم يعودوا يميزون بين الحق والباطل، واستغلوا بصفة خاصة جهالة [المثقفين] ، فهاجموا الظلم البين الذي يأباه الله ورسوله، وأدخلوا معه تقاليد الإسلام الحقيقية على أنها من الظلم الذي ينبغي إزالته، وزعموا في بادئ الأمر- أنها ليست من الدين، إنما هي من وضع رجال متزمتين، اخترعوها من عند أنفسهم وألصقوها بالدين! حتى إذا زرعوا كرهها والنفور منها في قلوب أولئك [المثقفين] ، وضمنوا لهذا النفور الثبات والرسوخ في قلوبهم، صارحوهم في المرحلة الأخيرة أنها من الدين! وقالوا لهم جهرة: إن [الدين] ذاته هو البلاء الذي ينبغي التخلص منه ونبذه وراء الظهور!

* • هاجموا ترك المرأة جاهلة بلا تعليم.. وكان هذا بالفعل من التقاليد الفاسدة التي انزلق إليها المجتمع الإسلامي بعيدا عن تعاليم الإسلام.

* • وهاجموا احتقارها وازدراءهما، وتعييرها بأنها تحمل وتلد ولا شأن لها بشيء آخر، وكان هذا بالفعل من التقاليد الفاسدة المضادة تماما لتعاليم الإسلام.

* • وهاجموا تزويجها بغير إذنها وبغير رغبتها، وكان هذا كذلك من التقاليد الفاسدة المخالفة للنصوص الصريحة من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولكنهم- إلى جانب ذلك- هاجموا حجابها، وهاجموا استقرارها في بيتها، وعدم خروجها إلا للضرورة، وصوروا ذلك بأنه سجن وضعها الرجل فيه أنانية منه وظلما، بينما هي أوامر صريحة من الله سبحانه وتعالى لأمهات المؤمنين ولنساء المؤمنين معهن. وطالبوا بخروجها إلى [المجتمع] سافرة [متحررة] بغير قيد، وهو أمر نهى الله عنه نهيا صريحا في آيات مبينات:

{وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} .

{يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} .

{وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن} .

* • ولكن المهاجمين- في الجولة الأولى- خلطوا الحابل بالنابل- عن عمد- وجعلوا القضايا كلها تقاليد عتيقة بالية عفي عليها الزمن، ولم يعد يستساغ وجودها في عصر الحرية والنور!

أما في الجولة الثانية (وسيأتي الحديث عنها) فقد أصبح الدين ذاته هو الرجعية التي ينبغي أن ننبذها لنكون [تقدميين] !

* • قلنا إن الصحافة- سواء اللبنانية المسيحية المارونية، أو المصرية الصميمة التي يشرف عليها من يحملون أسماء إسلامية- قد تابعت [قضية المرأة] باهتمام ملحوظ، وحرصت على تغذية المعركة بالوقود الدائم الذي لا يفتر، كما حرصت على متابعة [الفتاة الجامعية] وهي تشق طريقها [الصاعد] الذي تدوس فيه كل المقدسات لكي تصل إلى [النور] !

وكان من بين ما حرصت عليه تلك الصحافة- والمجلات الأسبوعية بصفة خاصة- إبراز [الروح الجامعية] .

ولا يتبادر إلى ذهن أحد أن المقصود بالروح الجامعية هو روح البحث العلمي، والتعمق في أخذ الأمور، وعدم التسرع في إصدار الأحكام حتى يتثبت الباحث من أن لديه من الدلائل ما يسند الحكم الذي وصل إليه.. إلى آخر هذه المعاني التي تخطر على البال حين تذكر [الجامعة] وتذكر [الروح الجامعية] .. والتي كان نصيب [الجامعيين] منها في غالبية الأحيان ضئيلا للغاية..! إنما [الروح الجامعية] - اعلم هداك الله- هي ممارسة الاختلاط في الجامعة بين البنين والبنات، ومقدار ما يقع في هذه الممارسة من تحرر وانطلاق، وانعتاق من سجن التقاليد البالية التي تفصل شقي المجتمع بعضهما عن بعض، وتضع بينهما الحواجز التي تعيق الأمة كلها عن التقدم والارتقاء..!

* • وحذار أيتها الفتاة أن تنهزمي في المعركة! فالمجتمع كله ينظر إليك ويرقب نتيجة المعركة.

* • حذار أن تغضي بصرك! فغض البصر معناه عدم الثقة بالنفس، وهو من مخلفات القرون الوسطى المظلمة، التي كانت تنظر إلى المرأة على أنها دون الرجل.. فتغض بصرها!

أما أنت يا حاملة الراية فارفعي رأسك عاليا، لتثبتي أنك مساوية للرجل في كل شيء، وأنك ند له في كل شيء.

شيئان ينبغي أن [تحرر] منهما الفتاة الجامعية.. غض البصر.. والحياء!

* • وفتاة الجامعة ينبغي كذلك أن تكون رشيقة خفيفة الحركة! فإليك الأزياء.. انتقي منها ما يناسبك.. وما يظهر رشاقتك.. وأظهري من [زينتك] بقدر طاقتك!

لا حرج عليك.. ماذا تخشين؟!

أتخشين الدين؟ والأخلاق؟ والتقاليد؟

تعالي معا نحطم الدين والأخلاق والتقاليد، التي تريد أن تكبلك في حركتك فلا تكوني رشيقة كما ينبغي لك!

وينبغي كذلك أن تكوني جذابة!

فهكذا المرأة [المتحررة] من صفاتها أن تكون جذابة.. في مشيتها..في حركتها.. في حديثها!

ألا ترغبين أن [ينجذب] إليك فتى الأحلام.. شريك المستقبل؟!

إن لم ينجذب هذا، فلينجذب غيره.. المهم أن يكون هناك دائما من يتطلع إليك.. ويعجب بك.. ويرغب فيك!

وبدأت [الفتاة الجامعية] تتخلع في مشيتها وتتكسر، وتتخلع في حديثها وتتكسر، وأصبح هذا عنوان [المرأة الحديثة] أو [المرأة المتحررة] التي تملأ الشارع، فيعج الشارع بالفتنة الهائجة التي لا تهدأ ولا تستقر.. وهو المطلوب!

أما البيت.. فآخر ما تفكر فيه الفتاة الجامعية..

لقد نعت لها بكل نعت مقزز منفر.. حتى أصبح البقاء فيه هو المعرة التي لا تطيق فتاة جامعية أن تلصق بها..

البيت هو السجن.. هو الضيق.. هو الظلام.. هو التأخر.. هو..الرجعية.. هو [عصر الحريم] .. هو التقاليد البالية.. هو القرون الوسطى المظلمة.. هو دكتاتورية الرجل.. هو شل المجتمع عن الحركة، ودفعه إلى الوراء..!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت