* • إن عدسة الصحافة تلاحق [الفتاة الجامعية] لترصد جميع تحركاتها.. وتختار- بطبيعة الحال- الوجوه الجميلة لتجعلها [إعلانا] عن القضية.. وتتنوع التعليقات، ولكنها كلها تبارك تلك الخطوة الجبارة التي خطتها الفتاة المصرية، والتي حطمت فيها القيود والحواجز، وأخرجت المرأة المصرية من سجن [التقاليد] المظلم، ومن عقلية القرون الوسطى المظلمة . لترى النور.. لتتحرر.. لتشارك في أمور المجتمع!
وفي ظل تلك التعليقات تسنح الفرصة وهي دائما سانحة لمهاجمة تلك [التقاليد] التي تجعل المرأة حبيسة البيت مستعبدة للرجل ناقصة الآدمية مهضومة الحقوق لا عمل لها إلا الحمل والولادة والرضاعة و [خدمة] الرجل وتربية الأولاد
* • ولابد من وقفة هنا لبيان حقيقة، سبقت الإشارة إليها، ولكنها تحتاج إلى مزيد من الإيضاح.
إن المرأة كانت مظلومة بالفعل، وكانت تعامل معاملة سيئة بالفعل، وكانت تعير بأنها جاهلة، وبأن مهمتها هي أن تحمل وتلد ولا شأن لها بشيء آخر.. وكانت هذه نظرة [جاهلية] تسربت إلى المجتمع المسلم حتى تخلف عقديا، وفسد كثير من مفاهيمه الإسلامية، والجاهليات تجنح - غالبا- إلى تحقير المرأة وازدرائها،! لا أن تجنح- كالجاهلية الإغريقية الرومانية، ووريثتها الجاهلية المعاصرة- إلى تدليل المرأة!إفسادها خلقيا لتصبح مسرحا لشهوة الرجل.
وكان وضع المرأة في مصر- وفي العالم الإسلامي كله- في حاجة إلى تصحيح، لرد الكرامة الإنسانية إليها، ووضعها في المكانة اللائقة بها بوصفها [إنسانة] كرمها الله حين قرر الكرامة لكل بني آدم: {ولقد كرمنا بني آدم} وساواها في الإنسانية بالرجل حين قرر أنه {بعضكم من بعض}
وقرر لها احتراما وتوقيرا خاصا في وضع الأمومة من أجل ما تتكبده في الحمل والرضاعة: {حملته أمه كرها ووضعته كرها} وجعل الجنة تحت أقدامها على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.
* • وكان هذا الوضع المنحرف عن أوامر الإسلام وتوجيهاته هُو هو الذي فتح الثغرة للغزو الفكري، وهو هو الذي استغله الشياطين لينفذوا منه إلى المجتمع الإسلامي- في كل بلاد الإسلام- وينفذوا مخططاتهم فيه..
* • ولو كان المجتمع الإسلامي يطبق الإسلام في صورته الصحيحة فمن أين كان ينفذ الشياطين؟
كانت أوروبا- في جاهليتها- ستصيح صيحتها، و [تحرر] نساءها من الدين والأخلاق والتقاليد، وتخرج المرأة هناك سافرة متبرجة عارية، وتملا الشوارع والمصانع والمكاتب والدواوين، وتغرق- هي والرجل- في علاقات دنسة، تدنس الجسد والروح، وتتفكك الأسرة، ويتشرد الأطفال، وتنتشر الجريمة والخمر والمخدرات والقلق والأمراض العصبية والنفسية والانتحار والجنون.. ويظل المجتمع الإسلامي في تماسكه، ورفعته ونظافته وتطهره، ينظر رجاله ونساؤه إلى كلك الجاهلية نظرة استنكار ونفور واستعلاء.
* • وربما قال قائل: إن ما بدا اليوم من عوار الجاهلية المعاصرة لم يكن واضحا للعيان يوم بدأت [الحركة النسائية] في العالم الإسلامي، ومن ثم كان العالم الإسلامي عرضة للافتتان [بقضية المرأة] في وجهها [الإصلاحي] ، قبل أن يظهر ما تحتويه في باطنها من الفساد.
* • وهذا قول مردود..
ففي وقت مبكر نسبيا- عام 1929 م- كتب [ول ديورانت] ، الكاتب الأمريكي، في كتابه [مباهج الفلسفة] هذه الكلمات:
(( فحياة المدينة تفضي إلى مثبط عن الزواج، في الوقت الذي تقدم فيه إلى الناس كل باعث على الصلة الجنسية،. وكل سبيل يسهل أداءها. ولكن النمو الجنسي يتم مبكرا عما كان من قبل، كما يتأخر النمو الاقتصادي.. ولا مفر من أن يأخذ الجسم في الثورة، وأن تضعف القوة على ضبط النفس عما كان في الزمن القديم، وتصبح العمة التي كانت فضيلة موضعا للسخرية، ويختفي الحياء الذي كان يضفي على الجمال جمالا، ويفاخر الرجال بتعداد خطاياهم، وتطالب النساء بحقها في مغامرات غير محدودة على قدم المساواة مع الرجال، ويصبح الاتصال قبل الزواج أمرا مألوفًا، وتختفي البغايا من الشوارع بمنافسة الهاويات لا برقابة البوليس..،
(( .. وما يحدث من إباحة بعد الزواج فهو في الغالب ثمرة التعود قبله. وقد نحاول فهم العلل الحيوية والاجتماعية في هذه الصناعة المزدهرة، وقد نتجاوز عنها باعتبار أنها أمر لا مفر منه في عالم خلقه الإنسان. وهذا هو الرأي الشائع لمعظم المفكرين في الوقت الحاضر. غير أنه من المخجل أن نرضى في سرور عن صورة نصف مليون فتاة أمريكية يقدمن أنفسهن ضحايا على مذبح الإباحية وهي تعرض علينا في المسارح وكتب الأدب المكشوف، تلك التي تحاول كسب المال باستثارة الرغبة الجنسية في الرجال والنساء المحرومين- وهم في حمى الفوضى الصناعية- من حمى الزواج ورعايته للصحة ) ).
(( ... حتى إذا سئمت فتاة المدينة الانتظار، اندفعت بما لم يسبق له مثيل في تيار المغامرات الواهية. فهي واقعة تحت تأثير إغراء مخيف من الغزل والتسلية وهدايا من الجوارب وحفلات من الشمبانيا في نظير الاستمتاع بالمباهج الجنسية. وقد ترجع حرية سلوكها لي بعض الأحيان إلى انعكاس حريتها الاقتصادية، فلم تعد تعتمد على الرجل في معاشها. وقد لا يقبل الرجل على الزواج من امرأة برعت مثله في فنون الحب. فقدرتها على كسب دخل حسن هو الذي يجعل الزوج المنتظر مترددا، إذا كيف يمكن أن يكفي أجره المتواضع للإنفاق عليهما معا في مستواهما الحاضر من المعيشة؟ ) ).
(( ... ولندع غيرنا من الذين يعرفون يخبرونا عن نتائج تجاربنا.. أكبر الظن أنها لن تكون شيئا نرغب فيه أو نريده. فنحن غارقون في تيار من التغيير، سيحملنا بلا ريب إلى نهايات محتومة لا حيلة لنا في اختيارها. وأي شيء قد يحدث مع هذا الفيضان الجارف من العادات والتقاليد والنظم... ) ).
فإذا كان هذا قد كان واضحا عند رجل غير مسلم- بل رجل ملحد ساخر بكل القيم الدينية والأخلاقية- مثل ول ديورانت، قبل أكثر من نصف قرن من الزمان، فقد كان الأحرى أن يكون واضحا تماما عند المجتمع المسلم، الذي يهتدي ببصيرته الإيمانية، المستمدة من إيمانه بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والذي يرى حتمية السنن الربانية في الحياة البشرية حين يقدم الناس لها الأسباب، ويؤمن بالنتائج السيئة المترتبة على فساد الأخلاق في حياة الأمم وحياة الأفراد.
* • ولكن القضية أن المجتمع الإسلامي كان بعيدًا عن حقيقة الإسلام.
ومن هنا وجدت الثغرة التي ينفذ منها الشياطين.
وحين نفذوا فإنهم لم يقولوا إن المجتمع قد بعد عن الإسلام الصحيح وينبغي أن يعود إليه.. فما لهذا جاءوا، وما لهذا أطلقوا صيحاتهم! إنما هم كانوا يعملون- بجهدهم كله- ليخرجوا هذه الأمة من الإسلام، وليرسموا لها الطريق الذي يبعدها نهائيا عنه، ويمنعها- بكل سبيل- من العودة إليه.