فهرس الكتاب

الصفحة 685 من 3028

ولكنها لم تكن في الحقيقة تقاليد إسلامية.. إنما كانت تقاليد جاهلية ارتدت إليها المرأة المسلمة في فترة تخلفها العقدي، ثم اختلطت في حسها بالإسلام، وظن المدافعون عنها بإخلاص أنهم يدافعون عن الدين! وكانت عنجهية الرجل ولا شك عنصرًا من عناصر القضية..

كان يحب أن يتميز وينفرد بأشياء، سواء كانت مما ميزه الله به حقيقة أو مما ميزته به الجاهلية، ويختلط الأمران معا في حسه، فيعتقد أنهما- كليهما - من صميم الدين، وأنه حين يدافع عن مركزه المتميز، ويدفع المرأة عن اللحاق به، يدافع عن الدين!

ولم يفت المدافعين عن [قضية المرأة ] أن يستغلوا نقطة الضعف هذه في موقف المعارضين، وأن يستغلوها إلى آخر المدى.. فدعوا إلى إخراج الدين كله من القضية، والحديث عنها على أنها قضية تقاليد.. وحين تكون على هذه الصورة، فهي إذن تقاليد عتيقة بالية، ينبغي أن تحطم ويستبدل بها تقاليد جديدة.. عصرية تقدمية متطورة.

وبطبيعة الحال لم يرض المتدينون والحريصون على الأخلاق عن حصر القضية في محيط التقاليد وإخراجها من دائرة الدين، كما كان أعداؤهم يدعونهم كلما احتدمت المعركة بقولهم: لا تزجوا بالدين في كل الأمور! فالدين لا علاقة له بهذه الأمور!!

ولكنهم في النهاية انهزموا وتراجعوا.. ثم صمتوا.. وتقرر الأمر الذي خطط له المخططون، فأصبح [أمرا واقعا] رضي المتدينون أو كرهوا، وأعلنوا رأيهم أو صمتوا عنه.لماذا حدث ذلك؟!

لم يكن [التطور العالمي] كما توهم المتوهمون. ولم يكن ضغط الحضارة الغربية. ولم يكن [الحق] الذي كان مغلوبا، ثم انتصر كما أذاع المدافعون عن قضية المرأة. ولم تكن [طبيعة القضية] وكونها قضية عالمية لابد أن تأخذ مجراها في كل الأرض.. بل لم يكن الغزو الفكري في ذاته هو الذي جعل الأمور تأخذ هذه الصورة.

إنما كان قبل كل شيء: الهزيمة الداخلية الناشئة من الخواء الناجم بدوره عن التخلف العقدي، والانبهار بما عند الغرب، والظن بأنه لابد أن يكون صوابا ما دام آتيا من عند الأقوياء الغالبين!

نعم، إنها الهزيمة الروحية هي التي مكنت للغزو الفكري، وهي التي جعلت كل ما يخططه المخططون ينفذ كأنه أمر حتمي لا مرد له، ولا طاقة لأحد بالوقوف في طريقه!

وما كان شيء من ذلك ليحدث لو أن المسلمين كانوا على إسلام صحيح.

* • فالعقيدة الحية المتمكنة من القلوب لا تقهر، ولا يتخلى عنها أصحابها مهما وقع عليهم من الضغوط.

* • والاستعلاء بالإيمان يقي الناس من الذوبان في عدوهم ولو انهزموا أمامه في المعركة الحربية.

والغنى النفسي الذي يحدثه الإيمان الحق بالله، والغنى الواقعي الذي يحدثه التطبيق الصحيح للمنهج الرباني، يجعل المسلم- فردا وجماعة ومجتمعا ودولة- في غنى عن الاقتراض من عالم القيم والمبادئ- فضلا عن التسول!- وإذا احتاج لشيء من أمور الدنيا يفتقده عنده فإنه يأخذه في استعلاء المؤمن، ويطوعه لمنهجه الرباني، ويصبح مالكا له لا مملوكا له.

* • وما كان الغزو الفكري ليتسرب إلى نفوس المسلمين- لو كانوا على إسلام صحيح- ولا إلى عقولهم وأفكارهم ومشاعرهم، حتى يزيلهم عن قاعدتهم، ويجرفهم في التيار.. غثاء كغثاء السيل، كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرنا من الزمان.

* • وما كان ضغط الحضارة الغربية ليجلي المسلمين عن مواقعهم، وهي حضارة زائفة ممسوخة في عالم القيم، على الرغم من كل التقدم العلمي والمادي والتكنولوجي الذي يشتمل عليه. وقد كان المسلمون قمينين أن يأخذوا كل التقدم العلمي والمادي والتكنولوجي الذي يحتاجون إليه- كما أخذوا من الروم والفرس أول مرة- دون أن يفقدوا إسلامهم، أو يتخلوا عن ذاتيتهم، أو تختلط القيم والموازين في حسهم.

* • وما كان [التطور العالمي] ليغلب المسلمين على أمرهم.. فهو ليس [حتمية] حقيقية كما خيل اليهود للبشرية ليدفعوها في المسار الذي جرفوها إليه. إنما انجرفت أوروبا في تيار التطور اليهودي لخوائها من العقيدة الصحيحة، ولأن عقيدتها الممسوخة لم تكن تصلح للحياة، ولا كانت تقدر على الصمود أمام كيد اليهود. ولكن المسلمين كانوا قمينين أن يصمدوا ولا ينهزموا أمام [التطور] المزعوم، الذي انتكس فيه [الإنسان] أكبر نكسة وقع فيها في تاريخه كله، في مجال القيم والأخلاق والمبادئ؛ بل في مجال [إنسانية الإنسان] ذاتها، بالرغم من البريق الخاطف، وعلى الرغم من كثرة ما قيل في هذا العصر عن [إنسانية الإنسان] ..! كان المسلمون قمينين أن يصمدوا ولا ينهزموا لأنهم يملكون العقيدة الصحيحة من جهة؛ ولأنهم هم المؤهلون أن يقفوا للكيد اليهودي من جهة أخرى، لأن الله وعدهم بالنجاة من ذلك الكيد إن استقاموا على الشرط: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} .

بل كان المسلمون قمينين أن يصححوا أفكار البشرية الزائغة إزاء لوثة الداروينية، ولوثة التطور، ولوثة المادية، ولوثة التفسير الجنسي للسلوك البشري، والتفسير الآلي للحياة، ولوثة [التحرر] من كل القيم، ولوثة إخراج المرأة من بيتها ووظيفتها، لتكدح وتشقى من أجل لقمة العيش، وتتبذل وتفسد، وتفسد المجتمع كله معها في نهاية الأمر.

لو كانوا على إسلام صحيح!

* • ولكنهم لم يكونوا.. فأصابهم ما أصابهم.. وبدلا من أن يصححوا للبشرية منهج حياتها، ويهدوها إلى المنهج الحق، تخلوا هم عن منهجهم الرباني، وراحوا يلهثون لهثا وراء الجاهلية الأوربية، ويستأذنونها في مذلة - أن تسمح لهم باللهث وراءها، ولا تحتقرهم ولا تستصغرهم إلى أن يتمكنوا من اللحاق بها في آخر الشوط!

وذلك هو التفسير الحقيقي لما حدث في قضية المرأة، وكل القضايا الأخرى التي ألمت بالمسلمين في أثناء [نهضتهم] المعاصرة.

* • دخلت المرأة الجامعة لا [لتتعلم] فقط.. ولكن [لتتحرر] !

لتتحرر من الدين والأخلاق والتقاليد!!

فقد قيل لها- كما قيل للمرأة الأوروبية من قبل- إن التعليم..

والاختلاط.. والحرية.. و [التجربة] كلها [حقوق] للمرأة، كان الدين والأخلاق والتقاليد تمنعها من مزاولتها.. واليوم ينبغي أن تحطم الحواجز كلها لتحصل المرأة على مالها من حقوق.

وبطبيعة الحال لم تكن هناك طفرة.. إنما جاء كل شيء بالتدريج..

وما كان المخططون يتوقعون أن تحدث الطفرة- وإن تلهفت قلوبهم لمشاهدتها- ولا كان ذلك ممكنا في عالم الواقع.

* • لقد دخلت أربع فتيات كلية الآداب في [الجامعة المصرية] مقتحمات كل الحواجز القائمة يومئذ، والمجتمع كله- بين مؤيد ومعارض- يرقب التجربة الجديدة، وما يمكن أن تسفر عنه.

وكان هناك- طبعا- قدر من الأدب، وقدر من الحياء، وقدر من الاحتشام، سواء من جانب الفتيات الأربع، أو من جانب الطلاب في مدرجات الجامعة وأفنيتها، والجو كله مملوء بالحذر والترقب.

ومع ذلك كله كتبت أمينة السعيد في مذكراتها التي نشرتها لها [الهلال] - وهي إحدى الفتيات الأربع اللواتي [اقتحمن] الحواجز، ليثبتن جدارة الفتاة المصرية بكذا وكذا مما أثبتن جدارتهن به!- كتبت تقول: إنه في الاختبار الشفوي في آخر العام كانت اللجنة- في اختبار اللغة الإنجليزية- مكونة من أستاذ إنجليزي وأستاذ مصري، وإن الأستاذ الإنجليزي ابتدرها في الاختبار بسؤالها عن رأيها في الحب!

تقول إنها من جانبها تلعثمت في بادئ الأمر. وإن الأستاذ المصري غضب حتى أحمر وجهه من الغضب، وغادر اللجنة، فقال لها الأستاذ الإنجليزي: لا عليك منه! استمري!

وتقول: إنها وجدت نفسها تنطلق في الحديث- عن الحب- بلا تلعثم ولا حياء! وهو المطلوب!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت