وتناول المطبقاني في رسالته للدكتوراه (191) المستشرق برنارد لويس كمستشرق بريطاني أمريكي كان لكتاباته تأثير كبير في طلابه العرب وعلى الإعلام الأمريكي والبريطاني وكذلك في السياسيين. لقد أشار مطبقاني إلى أن انتماء لويس للصهيونية وتحريف كل ما هو إسلامي يمكن أن يكتشفه الإنسان في معظم إن لم يكن كل كتاباته وبالطريقة نفسها التي يبرر بها كل تصرفات إسرائيل وفي الوقت نفسه يحذر أمريكا والغرب من الخطر الذي يمثله الإسلام للحضارة الغربية.
ومن نفس المنطلق نجد عاصم حمدان - خريج جامعة مانشستر- الذي يكتب بصفة مستمرة في جريدة"المدينة المنورة"، كتب نقدًا عنيفًا ضد الصحافي البريطاني روبرت كيلوري سيلك Robert Kilory Silk من جريدة التايمز اللندنية؛ حيث ظهرت مقالة سيلك في 13فبراير 1989م بعنوان"العقل الدولي سيادتنا"؛ مما دفع عاصم حمدان لكتابة ثلاثة مقالات قوية، لكنها كشفت عن فهم عميق ورائع للفكر الغربي. ففي المقالة الأولى ناقش حمدان ضمن موضوعات أخرى قائلًا:"إنّ المتتبع للحركة الثقافية والعلمية في الغرب يجد أن هذا الموقف المضاد للإسلام والمسلمين إنما مرده لنوعية الثقافة التي يتلقاها الفرد الأوروبي من هذه المصادر الثقافية والوسائل الإعلامية التي لا تترك مناسبة سانحة إلاّ وتوجه من خلالها العديد من الاتهامات للدين الإسلامي، ولكن دون دليل يثبت ما تذهب إليه من تهم أو تبحث من قضايا، إنما هو الحقد المتأصل، والمواقف المتوارثة عن المؤسسات الاستشراقية المتعصبة. وما الذي جعل روبرت سيلك في أثناء مناقشته للأمور التي سيواجهها العالم بعد انهيار الشيوعية يذم الإسلام والمسلمين على أنهم أعظم دعاة لأعظم الشرور التي شاهدها العالم. ويميز الكاتب بين ثلاثة أسباب مسؤولة عن هذه الهجمة الثقافية الشرسة، وهي:"الجهل بطبيعة الدين الإسلامي، والخلفية العنصرية، والأعمال الصهيونية الناجحة وبخاصة من كتّاب يهود تفسح لهم الصحافة الغربية صفحاتها والتي تنسف كل المحاولات الجادة التي يبذلها المسلمون لشرح مواقفهم الحقيقية للمجتمعات المسيحية الغربية" (192) . وخصّصت المقالة الثانية للكاتب برنارد لويس على أنه واحد من المنشغلين بتوسيع الفجوة بين المسلمين والغرب. (193) "
ويشرح كاتب آخر من منظور مختلف كليًا موقف العداء الغربي ضد الإسلام بلفت الانتباه إلى الحقيقة التي مفادها أنه في الأشهر الستة الأولى من عام 1991م، ظهر ما لا يقل عن واحد وثمانين وأربعمئة كتاب في اللغة الإنجليزية وحدها، وأكثر من أربعمئة كتاب في الفرنسية، حول الإسلام وجوانبه المختلفة التي يكفي الملاحظ الأهمية الفريدة بالنسبة للعقل الغربي لفهم الإسلام. ولا يمكن أن يقال: إن هذا من معظم الكتب التي قرأها، ولكن الدافع لكثرة هذه الكتب في نظر الكاتب ليس هدفه فهم الإسلام،"وإنما من الخوف والتوتر والقلق من عدو غامض جديد، فالعلمانيون الغربيون يبدون أنهم الأوغاد الذين يديرون حملة العداء؛ لأن الإسلام يدعو إلى المبادئ الأخلاقية التي تدعو لها النصرانية والتي رفضت منذ زمن بعيد في الغرب" (194) .
كما تنعكس جدلية الاستشراق أيضًا في محاضرات تنتشر عن طريق أشرطة الكاسيت ومعظم المتحدثين يسهب في الحديث عن نماذج معروفة سابقًا، وإن الشريط الذي اخترته للنقاش ليس استثناء، ولكنه يصور الاستشراق وفقًا لرؤية جديدة؛ فقد اشتكى الدكتور أكرم ضياء العمري أستاذ التاريخ الإسلامي بالجامعة الإسلامية في محاضرة عامة عام 1986م من سلبية المستشرقين البارزة في دراساتهم لأي أمر يتعلق بالإسلام بالعكس من دراساتهم لأي دين أو معتقد آخر، سواء كان دينًا توحيديًا أو غير ذلك. ومما أزعج العمري كثيرًا أن كثيرًا من كتابات المستشرقين قد تترجم وتُتَبنّى آراؤهم من قِبل علماء عرب ومسلمين في الماضي والحاضر في أنحاء العالم الإسلامي، وقد حان الوقت أن يبذل العلماء المسلمون جهودًا كبيرة لتحدي سيطرة الهجمة الفكرية الغربية. وقال العمري في ختام محاضرته: إن الاستشراق حركة أكاديمية وقد حققت معظم أهدافها، وإن لم تحقق جميع أهدافها بعد. ويستمر الاستشراق كحركة أكاديمية أساسًا موجهة نحو الغرب، وسوف يستمر المستشرقون في الكتابة عنّا في دورياتهم التي بلغت ثلاثمئة دورية محللين أوضاعنا وبالتالي الحكم علينا وتمثيلنا، بدلًا من أن نقوم نحن بتمثيل أنفسنا أمام أنفسنا، وهذا بالفعل واجبنا نحن وليس واجبهم. وإنها بالتالي مسؤولية مؤسساتنا الأكاديمية لممارسة دورها الريادي لتمثيلنا كما نحن للآخرين، وليس ثمة حاجة لمفهوم المستشرقين نحونا (195) .
وفي الختام أود أن أقتبس بعض الملاحظات التي أدلى بها إليّ شخصيًا كاتب صحافي من المملكة العربية السعودية يكتب أساسًا حول الاستشراق:"ليس خطؤنا أن نكون حريصين على إثبات تفوقنا وأننا عدائيون نحو الاستشراق كفرع أكاديمي، لأننا كتلاميذ سابقين له تعلمنا من المستشرقين أنفسهم ومن خلال كتاباتهم وتدريسهم أن نكون موضوعيين. يجب أن نوجه اللوم إليهم لموقفنا العدائي نحوهم، وهو عداؤهم نحونا، وفوق ذلك المعاملة الشخصية غير العادلة التي عومل بها بعضنا من قبل أحد الأساتذة أو أكثر".
وعلي أي حال فإن عمل المستشرقين وإنجازاتهم قد نوقشت وأنكرت، وحتى إن هذا العمل يثير شعورًا بالتضارب والتناقض المستمر في كل مطبوعة تقريبًا. يعترف كل كاتب بطريقته أن المستشرقين قد قدموا إسهامات قيمة لمعرفة الإسلام ككل والتراث العربي بصفة خاصة، ومع ذلك فإن إدراك مصداقية أو عدم مصداقية النقد المتداول في السعودية حاليًا والعالم العربي لا يبرر في النهاية إلغاءه كليًا في مواجهة الاتصالات المتنامية، والعلاقات المتبادلة في العالم الحديث. وسواء وافقنا أو لم نوافق مع هؤلاء الكتاب فثمة أسباب جيدة للاعتقاد أن الاستشراق كما هو الآن ليس جامدًا كما يعتقد بعض منتقديه، ولا أحد يعترض أن الوقت مناسب الآن للتغيير.
إن اعتراضهم الأساس مركّز على نقص الموضوعية لدى المستشرقين، وسواء كان هذا الاعتراض له ما يبرره أم لا فذلك خارج تمامًا عن نطاق هذه المحاضرة ويستحق دراسة منفصلة موسعة.
الملحق الثالث:
قائمة البحوث في كتاب
مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية
الجزء الأول (196)
الفصل الأول: القرآن الكريم
القرآن الكريم والمستشرقون: دكتور التهامي نقرة.
الفصل الثاني: السنة النبوية وروايتها
المستشرق شاخت والسنة النبوية: دكتور محمد مصطفى الأعظمي.
الفصل الثالث: السيرة النبوية
المستشرقون والسيرة النبوية: بحث مقارن في منهج المستشرق البريطاني المعاصر مونتغمري وات، دكتور عماد الدين خليل.
الفصل الرابع: العقيدة الإسلامية
منهج مونتغمري واط في دراسة نبوة محمد r ، دكتور جعفر شيخ إدريس.
الفصل الخامس: القانون والشريعة
النظام القانوني الإسلامي في الدراسات الاستشراقية المعاصرة: دراسة لمنهج نويل ج. كولسون، دكتور محمد سليم العوا.
الفصل السادس: الفلسفة
الرؤية الاستشراقية في الفلسفة الإسلامية: طبيعتها ومكوناتها الأيدلوجية والمنهجية، دكتور محمد عابد الجابري.
الفصل السابع: التاريخ
منهجية الاستشراق في دراسة التاريخ الإسلامي، دكتور محمد بن عبود.
الفصل الثامن: اللغة والأدب
موقف مرجليوث من الشعر العربي، دكتور محمد مصطفى هدّارة.
الجزء الثاني
الفصل التاسع: العلوم
آراء بعض المستشرقين حول التراث العلمي العربي والرد عليها، دكتور محمد السويسي.
الفصل العاشر: الجغرافيا