فهرس الكتاب

الصفحة 646 من 3028

إن ظاهرة المقالات في الصحافة والدوريات السعودية قد حققت تغييرًا ضخمًا في اتجاه طريقة النظرة إلى الاستشراق وتحليله. ومن المؤكد أن معظم الكتاب المذكورين هنا علماء ذوو ثقافة عالية وصحافيون محترفون يكتبون إمّا من باريس أو نيويورك أو لندن أو جدة أو الرياض، وكثير منهم من جنسيات مختلفة بما فيهم السعوديون، ومعتقدات متعددة يقدمون إسهامات يومية أو أسبوعية بمراجعة الكتب للمستشرقين أو يكتبون مقالات مستقلة مخصصة لموضوع أو عدة موضوعات محددة. وهكذا ففي عدد واحد اخترته بطريقة عفوية من جريدة"الحياة"التي تصدر في لندن ظهرت ثلاث مراجعات لها تأثير كبير في الاستشراق. وكان الأول مراجعة لكتاب سبق ذكره لأحمد غراب هو"رؤية إسلامية للاستشراق"، وكتب العرض سيد حسان من جدة، والثانية مراجعة لكتاب يوجين يونج"اليقظة العربية الإسلامية"، وكتبه مازن بلال، وجاءت الثالثة بقلم عمّار الجندي من لندن الذي حلل رسالة دكتوراه حديثة قدمت لجامعة وارويك Warwick أعدها جون دكسون John Dickson عنوانها"مصر في كتب الرحالة الإنجليز والفرنسيين بين عام 1789و1882"، وكان العرض بعنوان:تمازج الشرق والغرب: هل أخطأ إدوارد سعيد في معالجة كتب الرحالة الإنجليز والفرنسيين؟". وقد بدأ الكاتب عرضه بتقويم لكتاب إدوارد سعيد"الاستشراق"بالعبارات التالية:"لقد هز ظهور كتاب إدوارد سعيد"الاستشراق"في السبعينيات الأكاديميين الغربيين لدرجة أن القيود المفروضة على مجال أكاديمي قديم كان حتى ذلك الوقت غامضًا أو مشوشًا، وكان إلى درجة كبيرة خاضعًا للنسيان وكان بالتالي محددًا (أي معلوم التعريف، ولكن لم يتم احتواؤه) (185) . واستمر الكاتب يقدم للقارئ عرضًا مشوبًا بالإعجاب للموضوعات والأفكار التي عالجها دكسون دون إغفال أو إضافة تأييده أو رفضه لردود فعل المؤلف حول بعض النقاط التي تناولها سعيد. ووفقًا للكاتب فإن دكسون قد أساء فهم العلاقة المعقدة بين مسألتي الرحالة من جهة والفرع المعرفي للاستشراق من جهة أخرى الذي خصص له سعيد جزءًا كبيرًا في كتابه. إن اتهام دكسون بأن سعيد قدّم تعميمات غير مقبولة وأحكامًا جزافية كان بالنسبة لكاتب العرض تكرارًا للاتهامات القديمة التي شنها سابقًا جابرائيلي Gabrieli في كتابه"اعتذار للاستشراق"وصادق جلال العظم في مقالته"الاستشراق معكوسًا"وكذلك من قبل آخرين (186) .

إن معظم الموضوعات التي تناولها كتّاب الأعمدة والمقالات موضوعات ذات طبيعة معاصرة، وأهم هذه الموضوعات استمرار سوء تمثيل الإسلام كدين في الإعلام الغربي من قبل مستشرقين بسبب أن هؤلاء المستشرقين يقومون حقيقة بدور حاسم في استمرار هذا التشويه؛ لأنهم يحتكرون المعلومات عن الإسلام؛ حيث إن وسائل الإعلام لا تحصل على المعلومات إلاّ عن طريقهم. وقد كتب مازن مطبقاني الذي درس في الجامعات الأمريكية مقالة في صحيفة"المسلمون"بعنوان"لماذا يخوفون الغرب بالإسلام" (187) ، جاء فيها قوله:"نشر القس مارستون سبايت Rev. Marston Speight من معهد هارتفورد اللاهوتي مقالة بعنوان"هل يصبح الإسلام الشبح الجديد؟". وفي هذا المقال يتعجب سبايت فيما إذا كان انهيار الشيوعية في الاتحاد السوفيتي (السابق) سيدعو أولئك الأمريكيين الذين عادة ما يسهبون في الحديث عن الخطر المفترض من الشيوعية إلى إبدال الإسلام بالشيوعية كشبح مخيف لأمريكا والعالم بتقديمه كذلك. ويؤكد كاتب المقال ( المطبقاني) بأن مثل هذا الخوف يمكن تبريره عند قراءة مقالة نشرها شارلز كروتهامر Charles Kruthammer في صحيفة أمريكية بعنوان"الإسلام يشن حربًا عالمية"يصف فيها المسلمين في مطالبتهم بالاستقلال السياسي عن الاتحاد السوفيتي سابقًا بأنها حركة مثيرة بقدر إثارة الاتحاد السوفيتي نفسه، ويطلق كروتهامر على هذه المطالبات بأنها"انتفاضة كونية"، ويرى أن ما يجعل هذه الحركة مخيفة أن قوة الإسلام استبدادية وغير متسامحة. وينهي المطبقاني مقالته بقوله"وبعد أيام من اطلاعي على مقالة كروتهامر علمت أن الأستاذ الجامعي البروفيسور برنارد لويس قد قدّم محاضرة في مكتبة الكونجرس الأمريكي حول عداوة المسلمين (المزعومة) لأمريكا. وأعاد المحاضر قراءة محاضرته في معهد هوفر ومرة أخرى في جامعة ستانفورد. وأخيرا ًنشر المحاضرة نفسها بعنوان جذور الغيظ الإسلامي" (188) ."

وقد كتب مازن مطبقاني أيضًا بحثًا ممتازًا حول الأدب العربي الحديث في كتابات المستشرقين المعاصرين الذي كان في الأصل محاضرة ألقاها في نادي جيزان الأدبي (جنوب المملكة العربية السعودية) عام 1418هـ/ 1998م، حيث أحصى كل الكتابات الأدبية في اللغة العربية، سواء كانت بأقلام أدباء أو أديبات، التي اهتمت بها الدوائر الفكرية الغربية لسبب أو لآخر، وركز المطبقاني اهتمامه على الروائي المصري الحائز على جائزة نوبل نجيب محفوظ الذي فاز بالجائزة بسبب روايته (أولاد حارتنا) ، وبدلًا من أن يقدم مطبقاني حكمه على العمل استشهد بمعاصره أحمد أبو زيد الذي كتب يقول:

"لا غرابة أيضًا أن يهتم بها [أولاد حارتنا] دارسو الأدب العربي من الأجانب والمستشرقين اهتمامًا خاصاًَ ويفردون لها جانبًا بارزًا من دراساتهم عن نجيب محفوظ؛ فقد وجدوا فيه ضالتهم وأدركوا أنها قصة تحطم كل ما هو مقدس من الأديان والرسل والكتب والغيبيات" (189) . وأدى هذا التأثر إلى أن امتلأت قصص نجيب محفوظ ورواياته بالدعوة إلى القيم الهابطة والفساد، ومن ذلك الدعوة إلى اللهو والطرب والسخرية من الحياء، وزعمه أن الحياء موضة قديمة، واحتفاؤه بالمومسات، والتعدي الصارخ على الدين.

ويلخص أحمد أبو زيد ذلك في قوله:"ومعنى هذا فساد الوجهة في مخطط نجيب محفوظ القصصي كله الذي يروج فيه الشك والسخرية والاستهانة بالقيم والاستهزاء بالمقدسات، وليست إذن رواية (أولاد حارتنا) هي وحدها الحاملة للسم، ولكن الكاتب نفسه الذي يتخفى وراء مظهر أنيق وعبارات صحفية مرتبة وكلمات براقة هو في داخل قصصه نتن عجيب وقذارة وفساد يجب أن يعرفه كل من يسأل عنه." (190)

ولكن بالنسبة للمطبقاني تنبع شهرة محفوظ في الغرب ليس من الحقيقة أن رواياته تدعو إلى الانحلال والتفسخ، ولكن فوق كل ذلك إلى تشويه المجتمع المصري بخاصة والمجتمع العربي بعامة. ولتوضيح رأيه يستشهد الكاتب بالباحث الأمريكي صالح جواد الطعمة الذي عبر عنه في بحثه الموسوم:"استقبال نجيب محفوظ في المطبوعات الأمريكية"بأنه على الرغم من أن القليل جدًا من الروائيين العرب من تبنّى القيم والأخلاق الغربية فإن الأدب العربي قد همش إلى حد كبير، وبالرغم من المطبوعات المخصصة لدراسة الأدب العربي باللغة الإنجليزية مثل (فصلية الدراسات العربية Arab Studies Quarterly) و (المختار من الدراسات العربية Digest of Middle East Studies) . وبالإضافة إلى ذلك يؤكد المطبقاني أن الاهتمام الغربي بالكاتبة البنغلادشية تسليمة نسرين وكوليت خوري ونوال السعداوي وفاطمة مرنيسي والبقية ليس بسبب روعة أساليبهن الأدبية أو إخلاصهن لقضية تحرير المرأة، ولكن لأنهن يعكسن القيم والأخلاق الغربية الداعية للانحلال والفساد في بلادهم.

وقد نشر المطبقاني قبل تسع سنوات (1989م) كتابه (المغرب العربي بين الاستعمار والاستشراق) ، وهو موضوع لم يسبق أن درسه أحد في المملكة العربية السعودية، وأصبح فيما بعد الموضوع الأساس في كتابه حول العالم الجزائري عبد الحميد بن باديس ودوره ضد الاحتلال الفرنسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت