اهتم المهرجان فيما اهتم به من موضوعات بمسألة العلاقة بين الإسلام والغرب، فحين ظهرت في الغرب أصوات تنادي باتخاذ الإسلام عدوًا بديلًا بعد انهيار الشيوعية وسقوط جدار برلين وسقوط الأنظمة الشيوعية المختلفة في أوروبا، كان لا بد من تناول هذه القضية، فاهتم بها الحرس الوطني في هذا المهرجان وعقدت عدة ندوات في المهرجان الحادي عشر لعام 1416هـ والثاني عشر لعام 1417هـ، وكان من هذه الندوات"ندوة الإسلام والغرب: الجذور التاريخية". وقد شارك في هذه الندوة فهمي جدعان، وعبد الجليل التميمي، ومحمد حرب، وعبد العزيز راشد العبيدي، وقد تناولت المشاركات العلاقات بين الإسلام والغرب في جذورها وفي تطورها عبر القرون، وقد أشاد التميمي على سبيل المثال بالاستشراق وباهتمامه ببعض الرموز الثقافية الإسلامية وأن الغرب خطا بالبحث العلمي خطوات واسعة كان علينا أن نتعلمها، وأشاد بالرحالة الغربيين ودروهم في التقارب بين الشعوب.
وكانت ندوة أخرى بعنوان"موقف الغرب من الإسلام: رؤية معاصرة"، شارك فيها كل من يون نيلسون من جامعة بيرمنجهام ومركز دراسات الإسلام والعلاقات النصرانية الإسلامية وخالد يحيى بلانكنشب من جامعة تمبل ومراد هوفمان ومايكل وولف (أمريكي مسلم) ، وقد تحدث نيلسون عن العلاقات الإسلامية النصرانية، وختم محاضرته بعبارة قال فيها:"فالحركات الإسلامية تمثل رغبة في الاستقلال والكرامة واحترام الذات، وليست تهديدًا للغرب. إني أجرؤ على القول أنه من مصلحة أوروبا، على المدى البعيد، أن ترجب بهذه المبادرة حتى وإن بدت بعض هذه التطورات معادية لمصالحها القريبة" (137) .
وتحدث في الندوة نفسها مراد هوفمان، فكان واضحًا صريحًا في الموقف العدائي ضد الإسلام في الغرب، فبعد أن ذكر التسامح في الغرب مع جميع الديانات والممارسات العجيبة والغريبة أكّد أنّ الأمر إذا كان يخص الإسلام فهم مختلفون، فقد قال:"وفي الحقيقة فإن هذه التعددية المعاصرة وما تظهره من تسامح لا محدود يختفيان بشكل مفاجئ في وجه الإسلام، فالعادات والممارسات التي تقبل بسهولة من الآخرين تلاقي الشجب والاستنكار إذا صدرت من مسلمين ويتهم أصحابها بأنهم متعصبون، بدائيون، غير دستوريين ورجعيون...كما أن مريم العذراء لم تصور البتة دون غطاء رأس بينما لو أرادت فتاة مسلمة أن تغطي رأسها وتذهب إلى مدرسة في فرنسا فقد تقابل بالرفض" (138) .
مؤسسة الملك فيصل الخيرية
مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.
لقد اضطلع مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية منذ إنشائه عام 1403هـ/1983م قبل أكثر من عشرين سنة بدور رائد في مجال البحوث والدراسات الإسلامية من خلال تكوين قواعد معلومات في شتى المعارف وتكوين مكتبة مزدهرة من الكتب والدوريات والوثائق والمخطوطات. ولا أعرف باحثًا في قسم الاستشراق بكلية الدعوة - ومنهم كاتب هذه السطور- لم يرجع إلى مكتبة المركز ليقدموا له بحثًا مصدريًا عن مراجع بحثه، ثم يقدموا له مصورات للمقالات والبحوث وأجزاء من كتب يحتاجها.
أما في مجال الاستشراق فقد قدم المركز الكثير، أولًا بمقتنياته من الكتب والدوريات، وثانيًا بتكوين قاعدة معلومات لا يوجد مثلها في مكان آخر مثلها داخل المملكة العربية السعودية وربما حتى خارجها، وثالثًا بما نشر من كتب أو عقد من دورات وندوات ومحاضرات. وفيما يأتي بعض ما قدمه المركز من نشاطات:
1-ندوة الدراسات العربية والإسلامية في فرنسا
عقدت هذه الندوة في الفترة من 10-11 شعبان 1407هـ، وكانت عناوين الجلسات كما يأتي:
1.بول كارتون."معهد العالم العربي"محاضرة، يوم 10شعبان 1407هـ
2.ندوة قدمها معروف الدواليبي وحسن ظاظا، 10/8/1407هـ
حـ- أندريه ميكيل"الحضارة العربية والإسلامية في القرن الرابع الهجري"يوم11/8/1407هـ
8.أندريه ريمون"الدراسات الأكاديمية عن الإسلام والعالم العربي في فرنسا"، 11/8/1407هـ
هـ- الدراسات العربية والإسلامية في فرنسا (وجهة نظر إسلامية) ندوة شارك فيها محمد العوام وتركي رابح، 11/8/1407هـ
إن مجمل المحاضرات والندوات السابقة كانت محاولة من قبل الجانب الفرنسي إظهار استشراقهم أو استعرابهم بمظهر أجمل مما عرف عنه، وأرادوا أن يرسلوا رسالة مفادها أننا مهتمون بالعالم العربي الإسلامي اهتمامًا علميًا موضوعيًا، وأنهم في العصر الحاضر لا يتحملون أخطاء الاستشراق الفرنسي أو الأوروبي السابق.
ولكن الجانب العربي الإسلامي، وهم مجموعة من أساتذة الجامعات السعوديين وبعض الإخوة العرب والمسلمين الذين شاركوا، كانوا على وعي بهذه الدراسات وقدموا مناقشات علمية جيدة اتسمت بعض الأحيان بشيء من العاطفية، ولكن الروح العلمية كانت أقوى، فهذا الدكتور أحمد التويجري يوضح كيف أن الدراسة في الغرب تظلم الإسلام ظلمًا بعيدًا، وطالب أن تكون الندوة بعيدة عن الدبلوماسية والمجاملات.
كان بعض المحاضرين الفرنسيين يقدمون محاضراتهم كأنها نشرات دعائية لما تقوم به فرنسا من الاهتمام بالعالم العربي الإسلامي، بل يفخرون بأن فرنسا أفضل من غيرها من الدول الأوروبية. والسبب واضح في ذلك، أن هؤلاء المحاضرين يعملون في وظائف حكومية هناك. كما أن بعض الباحثين العرب المسلمين كانوا يبدون إعجابًا شديدًا بفرنسا والفرنسيين، حتى سمّى أحدهم المستشرق ريمون (أخي الدمشقي) . وكان من الانتقادات التي وُجهت للمحاضرين الفرنسين ما وجهه الدكتور أحمد التويجري لأندريه ميكيل في محاضرته حول الحضارة العربية والإسلامية في القرن الرابع الهجري، حيث قال له:"أهملت دور المسلمين الرائد في عالم الأفكار؛ حيث جاء في كلام المحاضر أن العرب كانوا موزعين للحيوانات والنباتات والأفكار، فكيف جعلت الأفكار آخر شيء؟ فهل وقعت فيما وقع فيه غيرك من المستشرقين بالنظر إلى الحضارة الإسلامية نظرة الاستعلاء، أو أن الحضارة الإسلامية كانت مجرد ناقل أو موزع" (139) .
كما انتقد تركي رابح - أستاذ التربية بجامعة الجزائر- نوعية الموضوعات التي يختارها طلاب الدراسات العليا من العرب والمسلمين، وأنها تتركز على موضوعات تافهة، ولكن لم يقدم رابح نماذج لما يقول. أما محمد سليم العوا فقد طالب أن يهتم معهد العالم العربي في باريس بالشريعة الإسلامية، وألاّ يكون اهتمامه منحصرًا في الآداب والفنون والرقص وغير ذلك؛ فالشريعة الإسلامية هي التي توضح موقف الإسلام من هذه الأمور.
2-ندوة العلاقات السعودية البولندية:
عقدت هذه الندوة في الرياض بالتعاون بين مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية والسفارة البولندية بالرياض يوم 16ربيع الأول 1423هـ الموافق 28 مايو/أيار 2002م، وكانت استكمالًا لندوة أخرى عقدت في مكتبة جامعة وارسو في 10 ربيع الأول 1423هـ الموافق 22 مايو 2002م. وما يهمنا هنا بعض البحوث التي تناولت الدراسات العربية والإسلامية في بولندا، وكان من هذه البحوث:
1-يلنوش داينسكي رئيس قسم الدراسات العربية والإسلامية في معهد الاستشراق بجامعة وارسو،"العلاقات التاريخية بين بولندا والبلدان العربية والإسلامية"،وقد تناول فيها الباحث نشأة الدراسات العربية والإسلامية في بولندا وتطورها، وبخاصة بعد استعادة بولندا استقلالها عام 1918م، حيث أصبحت هذه الدراسات دراسات مؤسسية، فتحدث عن الاهتمامات المختلفة للاستشراق البولندي من الشعر العربي والاهتمام بالمجالات الأخرى، كما تناول إصدار مجلة متخصصة حول الدراسات الشرقية.