فهرس الكتاب

الصفحة 618 من 3028

تأتي أهمية الحديث عن دور المملكة العربية السعودية الرائد في الاهتمام بدراسة الاستشراق ونقده في عهد خادم الحرمين الشريفين رحمه الله من أنّ كيان هذه البلاد قام حين قام مستمدًا شرعيته ووجوده من اتخاذ القرآن الكريم دستورًا، ومن الشريعة الإسلامية قانونًا يحكم جوانب الحياة جميعًا. وقد قامت هذه الدولة منذ نشأتها على نشر الدعوة الإسلامية، وتصحيح المفاهيم ومحاربة الاتجاهات المعادية للإسلام، والتيارات الفكرية الضالة التي هاجمت أمتنا العربية الإسلامية، ومن أبرزها العلمانية والشيوعية والاستشراق.

ولما كانت المملكة العربية السعودية قد احتاجت إلى ابتعاث عدد من أبنائها إلى الخارج، والاستعانة بعدد من أساتذة الجامعات من الدول العربية والإسلامية وحتى الدول الغربية، فكان لا بد أن يجد الاستشراق ثغرة ينطلق من خلالها إلى أفكار الشباب السعودي في الجامعات بصفة خاصة، ولاسيما الذين درسوا في الجامعات الغربية في مجال العلوم الاجتماعية واللغة العربية وحتى العلوم الشرعية. كما تأثر الشباب السعودي بالاستشراق من خلال ما تقدمه وسائل الإعلام الغربية الموجَّهة إلى العالم العربي الإسلامي؛ كإذاعة لندن، وصوت أمريكا، ومونت كارلو، وغيرها من الإذاعات. وكذلك كان لوسائل الإعلام الأخرى مثل الصحف والمجلات الوافدة إلينا من الدول العربية تأثير في نشر الفكر الاستشراقي. وأخيرًا عرفنا الغزو الفكري الذي يعتمد على الطروحات الاستشراقية من خلال القنوات الفضائية.

ومن أجل مواجهة الغزو الفكري المتمثل في الاستشراق الذي دخل إلى كثير من المناهج الدراسية، ومن خلال وسائل الإعلام المختلفة فإن المملكة العربية السعودية أدركت هذه الخطورة فقررت أولًا جعل مادة الثقافة الإسلامية إحدى متطلبات الجامعة في السنوات الدراسية الأربع، ولم تكتف بذلك بل قررت تدريس مواد متخصصة في الاستشراق في جامعة الملك عبد العزيز، وجامعة الملك سعود، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ولم تقتصر دراسة الاستشراق على الدراسات الشرعية فقط، فقد تقرر تدريس هذه المادة على طلاب كلية الآداب وكلية العلوم الاجتماعية في بعض الجامعات السعودية.

وزيادة على ذلك أنشأت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وَحْدة الدراسات الاستشراقية والتنصيرية بعمادة البحث العلمي بالرياض عام 1402هـ، ثم تطور الأمر إلى إنشاء قسم الاستشراق بالمعهد العالي للدعوة الإسلامية بالمدينة المنورة (كلية الدعوة حاليًا) عام 1403هـ. وكانت جامعة الإمام قد عقدت في رحابها مؤتمر الفقه الإسلامي عام 1396هـ، وكان من ضمن محاوره الغزو الفكري، وجمعت بحوث هذا المحور ونشرت في كتاب، وكان الاستشراق أحد أهم موضوعات الغزو الفكري.

أما قسم الاستشراق فقد قام بتقديم برامج الماجستير والدكتوراه منذ نشأته وتخرج فيه ما يربو على مائة دارسٍ في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، كما شارك أعضاء القسم في نشر العديد من الدراسات والكتابات في وسائل الإعلام المختلفة، وحضر عدد منهم بعض المؤتمرات الدولية ممثلين للمملكة حول دراسة الاستشراق، كما شارك بعضهم في المحافل الأدبية في المملكة للحديث عن الاستشراق. وبناءً على دعوة من معالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد شاركتُ باسم مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق بجناح خاص بالاستشراق في معارض وسائل الدعوة الذي أقامته الوزارة في كل من جدة والرياض والقصيم،وساهمت في تقديم معلومات عن الاستشراق والدعوة للوعي بالاستشراق وخطورته.

وقد وجدنا أن الدول العربية والإسلامية الأخرى قد اهتمت بالاستشراق، ومن الأمثلة على ذلك ما كتبه الدكتور مصطفى السباعي تحت عنوان (السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي) (1) ليرد أساسًا على افتراءات المستشرقين وعلى رأسهم جولدزيهر في مسائل الحديث النبوي الشريف، بالإضافة إلى جهوده الميدانية في زيارة معاقل الاستشراق والكتابة عن ذلك في مجلة حضارة الإسلام، وكذلك ما نشر من مؤلفات كثيرة حول الاستشراق من بينها مثلًا ما كتبه عباس محمود العقاد رحمه الله في كتابه (ما يقال عن الإسلام) ، والأستاذ محمود شاكر رحمه الله في كتابيه (أباطيل وأسمار) (2) و (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) (3) ، وكتابات محمد محمد حسين رحمه الله، وبخاصة كتبه (الاتجاهات الوطنية في الأدب العربي الحديث) (4) و (حصوننا مهددة من داخلها: أو في وكر الهدامين) (5) و (الإسلام والحضارة الغربية) (6) ، وكتاب (فلسفة الاستشراق في دراسة الأدب العربي) لأحمد سمايلوفتش الذي كان في الأصل رسالة دكتوراه قدمت لجامعة القاهرة في عام 1974م/ (1394هـ) . ومنها أيضًا كتاب نجيب العقيقي بعنوان (المستشرقون) الذي يعد حتى الآن أوسع مرجع لأسماء آلاف المستشرقين وترجمات لهم (7) . وغيرها كثير مما نجده في مجلة (الرسالة) أو في صحف ومجلات أخرى. كما نجد كتابات قيمة للرد على المستشرقين في شبه القارة الهندية، مثل كتابات شبلي النعماني وأبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي وغيرهم. وقد عقدت ندوات في بعض البلاد العربية والإسلامية حول الاستشراق، منها: (المؤتمر الدولي حول الاستشراق والدراسات الإسلامية) الذي عقد في جامعة عبد المالك السعدي بالتعاون مع المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة عام 1417هـ، والمؤتمر الدولي حول الاستشراق: الخطاب والقراءة في كلية العلوم الإسلامية والحضارة بجامعة وهران عام 1420هـ، والمؤتمر الدولي حول العلاقات العربية الأمريكية:نحو مستقبل مشرق الذي عقد في عمّان بالأردن بالتعاون مع جامعة برجام يونجBrigham Young بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1421هـ.

ولكن ريادة المملكة العربية السعودية في هذا المجال أمر واضح للعيان، يشهد بذلك إنشاء وحدة بحث متخصصة ثم إنشاء قسم علمي هو الوحيد في العالم الإسلامي يتخرج فيه عشرات الطلاب، بالإضافة إلى النشاطات الأخرى في العديد من الجامعات السعودية، بالإضافة إلى نشاطات المؤسسات والهيئات التي تهتم بالفكر والثقافة مما أعطى المملكة العربية السعودية مكان الصدراة في الاهتمام بالاستشراق دراسة ونقدًا.

وفي ختام هذا التقديم يسرني أن أتقدم بالشكر لسعادة عميد البحث العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الأستاذ الدكتور تركي ابن سهو العتيبي؛ لتفضله بالإذن لي بالاطلاع على وثائق وحدة الدراسات الاستشراقية والتنصيرية التي أرجو أن يعود العمل فيها قريبًا، كما أشكر له تشجيعه المستمر لي على مواصلة البحث العلمي ودعم فكرة نشر هذا الكتاب، وعلى ما لقيت من معاملة راقية في أثناء عملي في العمادة.

وأشكر سعادة أمين عام مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية الأستاذ الدكتور يحيى محمود بن جنيد على كل ما قدمه للباحث من مساعدة ودعم، وأنوِّه بالدور الكبير لهذه المؤسسة المهمة في تقديم المساعدة العلمية القيمة لكل زملائي في مجال الاستشراق وغيرهم من الباحثين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت