فهرس الكتاب

الصفحة 578 من 3028

وإن من مرتبة الإحسان ، تقوى الله ، هذه الخصلة إذا تمكنت من عقل المسلم: شابا أو كبيرا ، فإنها تعطيه راحة في القلب ، واطمئنانا في الوجدان ، وفتحا لمغاليق الأمور ، ألم يقل سبحانه: سورة البقرة الآية 282 وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ، ويقول: سورة الطلاق الآية 2 وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا سورة الطلاق الآية 3 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ، ويقول جل وعلا: سورة الطلاق الآية 4 وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا .

فمن ارتوى من الشباب ، من مناهل القرآن العذبة ، وتشبع من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الصحيحة الصافية هيأ الله له من كل هم فرجا ، ومن كل ضيق مخرجا ، ورزقه العلم والفهم ، وقوى عزمه في المقارعة والمجادلة بالتي هي أحسن .

أما المحور الثاني ، أو السلاح الثاني: فهو الحوار الفكري ،لمنازلة أصحاب الغزو الفكري الموجه لشباب المسلمين بوسائل الإعلام المتعددة: من مسموع ومرئي ومقروء .

فإن الإمام سفيان الثوري يروى عنه رحمه الله قوله: هم رجال ونحن رجال ، ولهم عقول وعندنا عقول . . وأمكن من ذلك قول الله سبحانه: سورة النساء الآية 104 إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ . ونحن معاشر المسلمين ديننا لم يترك العقل والفكر ، جانبا بل له جانب كبير في المخاطبة ورد الأباطيل ، وخاصة فيما نلمس في القرآن الكريم ، في رد شبهات الكفار ، وفي محاورة أهل الكتاب في حججهم وشبهاتهم ، حيث نجد تكرار ما يتعلق بالفكر في مثل: لآيات لقوم يعقلون ، لقوم يتفكرون ، لأولي الألباب ، ألهم قلوب لا يعقلون بها . . . إلخ .

وهذا كثير جدا في القرآن الكريم ، مما يبين أهمية مقارعة الحجة ، بدليل أقوى ، ومناقشة الغزو ببرهان أمكن ، واللغة هي السبيل المبين في مخاطبة العقول بما تدركه ، مع الإتيان بما يمكن القول بالشواهد المقربة للأمر .

فالجدال والمناقشة أمر مطلوب في النواحي العقلية ، لكن ينبغي

(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 245)

تأديب الشباب بآداب هذا الدين القويم ، لما وراء ذلك من مصالح في مثل:

-عدم الاستفزاز عندما يحاور الشاب غيره ، يقول سبحانه: سورة آل عمران الآية 159 فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ .

-أن يكون الجدال بالتي هي أحسن ؛ لأنه أدعى إلى التقبل والتقارب ، وأن يكون عن علم ومعرفة ؛ لأن ذلك أقوى للحجة ، فمن حفظ حجة على من لم يحفظ .

-عدم الغضب والسب ، حتى لا يحفز الأمر الجانب الثاني ، إلى سب الله عدوا بغير علم ، وسب ديننا .

-التوسع في الثقافة ، بحيث يرد عليهم بأقوال مقبولة لديهم ، كالمنصفين من بني جنسهم .

-الحرص على ضرب الأمثال والاستشهاد بالنظائر المقربة للفهم ، والمزيلة للبس .

-وأقوى شيء يرد غزوهم الفكري ، اقتناص نصوص من مصادرهم ، أو مقتطفات من مفكريهم ، من باب مخاطبة الناس بما يعرفون ، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 246)

ولا يغرب عن البال: أن أعداء الإسلام ، في عالم الشرق والغرب ، قديما وحديثا ، من أصحاب الديانات والنزعات والأهواء المختلفة ، وهم قد حاربوا الإسلام في الظاهر ، وناصبوه العداء في الباطن ، قد أدركوا مع هذا العداء للإسلام وأهله ، دور الشباب في عصور الإسلام الأولى ، ومكانتهم في التصدي لتحدياتهم ؛ لأن نفوسهم قد تشبعت بتعاليم الإسلام ، وشرائعه غرست فيهم بذور الخير منذ نعومة أظفارهم ، فكانوا مسددين في التصدي لخصوم دينهم ، وموفقين بالردود الصائبة ، التي من أثرها انجذاب كثير من الخصوم ، بعدما بانت لهم الحقائق المقنعة ، والحجج الملامسة لأوتار القلوب . إلى دخولهم الإسلام ، فكانوا مدافعين عنه ، بدل أن كانوا مهاجمين له . . ونريد من شباب اليوم السير على ذلك المنهج .

ودور الشباب في تاريخ دولة الإسلام ، يحسن بشباب اليوم معرفته ، ليتشبهوا بهم من حيث:

-التمثيل بالأخلاق الحسنة التي دعا إليها الإسلام .

-عدم الركون إلى الذين ظلموا أو محبتهم ، أو التشبه بهم .

-تأصيل المحبة بين أفراد المجتمع الإسلامي ، والالتحام مع ولاة الأمر بالطاعة والسمع لهم ، بدون معصية لله .

(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 247)

المحافظة على كيان دوله الإسلام ، وبناء مجتمعه: سورة آل عمران الآية 103 وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا .

-نسيان الذات من أجل الدفاع عن دين الله ، وتقديم الغالي والنفيس من أجل عزة دين الله ، وعدم علو الباطل عليه .

-نصر مبادئ وتعاليم الإسلام ، مع الثبات والتمسك بأوامره واجتناب نواهيه ، لأن هذا من نصر الله .

الفهم الجيد:

إن الشباب الجامعي في حاجة إلى تركيز الفهم للمهمة التي يجب أن يتهيأ لها ، وإدراك دلالات الغزو الفكري الموجه نحو أمته ، تأسيا بالصحابي الجليل: حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ، فقد روي عنه أنه قال:"كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر مخافة الوقوع فيه".

فالشباب في الجامعة ، يحسن بهم ألا ينتظروا الهجوم عليهم فكريا . . بل من الحزم تتبع ما يثار فكريا قديما ، على ما يسمعون حديثا ، ليوازنوا ويقارنوا ، وليبحثوا عما رد به على السابقين ،

(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 248)

ويتلمسوا ما يناسب اللاحقين ، فيكونوا مهاجمين ، بدلا أن يكونوا مدافعين .

فالمسلمون في كل مكان ما ضيع عملهم ، ولا أضعف مكانتهم ، ولا أدخل عليهم أعداءهم ، إلا عدم فهم الدين ، واختلاف الكلمة . . وعدوهم في كل مكان يحرص على تغذية الخلاف بينهم .

وعملية الفكر الإسلامي نحو الشباب ، يجب أن ترتكز دعائمه على محاربة فهم الدين فهما حقيقا ، في العمل والتطبيق أولا . وإدراك نقاط الخلاف ، والعمل بالقضاء عليها ثانيا ينظر في هذا كتابنا: '' الشباب والفكر السليم '' نشر رسائل النور رقم ( 8 ) تطوان المغرب ص 27 ـ 34 . .

-ولا يغرب عن البال أهمية تعليم الناشئة أمور دينهم ، وتوسيع مداركهم ، والإجابة على تساؤلاتهم بما يرضي طموحاتهم ويطمئن نفوسهم ، حتى ترتبط بحسن المأخذ ، ويتأصل حبه في القلوب .

-وبذلك تكبر دائرة الفهم ، بتكاثرهم ، مع إدراكهم لتعاليم دينهم ، ودور هذه التعاليم في تنظيم المجتمعات وإصلاح الأمم . . لأنه ما من حكم شرعي في الإسلام ، إلا وراءه مصلحة . . ويسميها بعضهم: حكمة التشريع .

-تنظيم الرحلات الإسلامية ، التي منها يتعود الشباب ، تسيير الحياة اليومية ، وتطبيق ما يجهله بعضهم من أمور دينه ، وما قيل علميا وراء العبادات في الإسلام من أسرار ، وأن يرعى هذه الرحلات ، من يوثق في علمه وخلقه ، وسلامة فكره .

-وتكوين المحاضرات والندوات المتنقلة ، وفتح أبواب الحوار للمناقشة والمحاورة ، على تصحيح مفاهيم الشباب وتساؤلاتهم .

-ترجمة الكتب ونشرها باللغات التي يفهمها الشباب ، والاهتمام بحسن الاختيار ، فيما يفيد الشباب حسب الأمور والشبهات المطروحة في المجتمع الشبابي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت