فهرس الكتاب

الصفحة 575 من 3028

لأن العدو قد ركز شبهاته على صميم الأمة الإسلامية ، ووجه غزوا سافرا متعمدا ، بقصد بلبلة أفكار الشباب وجاءهم بأفكار وشبهات عديدة ، مصداقا للحديث الشريف الذي ورد في الفتن: بأنهم يأتون خلف ألف غاية وغاية . ويريد العدو من وراء ذلك السيطرة على أفكار الأمة ممثلة بشبابها ، لمباعدتهم عن دينهم ، وتشكيكهم في قدرة شرائعه على حل ما يعترضهم ، ومحاولة صم آذانهم عن فهم تعاليمه ، فهما صحيحا ، أو أخذها من مصادرها الموثوقة وتخفيف مكانة العلماء من نفوسهم ، بأوصاف ونعوت وصلت إلى حد تكفيرهم ، ثم تكفير ولاة الأمر ؛ ليبرروا الخروج عليهم ، وفتح باب الفتنة بالفساد والترويع .

ولذا فإن الحماية من تلك الأخطار - والحماية من الله سبحانه - تحتاج إلى جهد يبذل ، وعمل متواصل ، وجهود تتظافر من الشباب في الجامعات ، مع فهم عميق منهم ، وإدراك وروية من

(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 227)

أساتذتهم والموجهين لهم ، حتى يتعاون الجميع في التركيز على ما يجب عليهم عمله ؛ لوقف الفكر الزاحف عليهم ، الذي يهدف لصد الشباب عن دينهم ، وصرفهم عن التحمس له .

ولئن كان شباب اليوم ، قد انفتحت أمامهم مصادر المعرفة ، وتكاثرت عليهم الآراء المتباينة ، وانتشرت في ثقافتهم المطروحة أمامهم الأفكار والنوايا المغرضة ، التي يراد بها تشكيك المسلمين في تعاليم دينهم حتى ينحرفوا عنه ، فإن المهم جدا ، حتى لا يتشعب أمام الشباب في بلادنا وغيرها ، مع الأحداث المتتالية ، والمجسمة إعلاميا ، عدم تركهم في الميدان وحدهم تائهين بين الغزو الفكري . . والشبهات المجسمة أمامهم . . وحائرين بين ما يجب أخذه ، وما يحسن تركه . فهم مع ما يدور بينهم ، كالواضع قدميه على تلتين بينهما هوة ، يخشى من الوقوع فيها إن حرك إحدى قدميه بلا توازن أو تبصر .

إذا هم في حاجة لمن يأخذ بأيديهم ، ويفتح ما انغلق أمامهم ، في حل ينير لهم الطريق ، ويبصرهم بما يجلي الغشاوة أمامهم . . ويوضح المقصد من تلك الشبهات ، سواء نحو تعاليم الدين ، أو السمع والطاعة لولاة الأمر ، أو الاسترشاد بالفتوى الصحيحة المستندة على النص الشرعي ، من العلماء الموثوقين .

ولئن تعددت المصادر التي تأتي منها الأفكار والعلوم ،

(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 228)

فأصبحت المعرفة الموجهة إلى الشباب ، ذات أبعاد متنوعة من فكرية إلى عقدية ، إلى مادية ، وابتزاز ، إلى وعود وتهديدات ، إلى ملذات ودعوة لتسليم النفس قيادة الهوى ، والنفس أمارة بالسوء .

فإننا نخاف على الشباب عموما وشباب الجامعات بالذات من الضعف أمام المغريات ، والاستسلام والهزيمة ، في إحباط يمس كيان الأمة ، ولذا فإن من المهم تبصيرهم بالمصادر السليمة ، التي تعينهم في تخطي العقبات ، ويؤخذ بأيديهم لما يوصلهم لبر الأمان ، لينتفعوا وينفعوا .

فترابط أطراف العالم بثقافاته ، وتشابك الطرق المؤدية إلى ذلك ، وتعدد الوسائل الحاملة لهذه الثقافات ، مما يدعو إلى إعانة الشباب في معرفة ذلك كله ، وتبصيرهم بما خلف كل ثقافة ، من بعد عميق في الجذور العقدية ، وإدراك للمنطلقات الفكرية الموجهة للشباب ، حتى يتفاداها ؛ لأن غالبها خلفه أيد نشطة تحركه وتغذيه ، وتدفع في سبيله الشيء الكثير من مال ووقت ، وجهد وتخطيط ، ومغريات وإعلام ، ومواصلة ذلك بلا كلل ولا ملل .

حيث أصبحت وسائل الثقافة الموجهة ، تتغير بين وقت وآخر بمسميات ورموز ، فتوافرت في كل صقع من الأرض ، بل دخلت كل بيت في أنحاء المعمورة ، حتى أكواخ الفقراء ، ومضارب البادية ، وحصون النساء المخدرات ، ولم يكن بوسع أحد أن يوقف زحفها . . ؛

(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 229)

لأنها تسربت بالوسائل العديدة إلى كل مكان ، وتحركها عوامل عديدة: من نفس وهوى وشيطان . . وشياطين الإنس أشد خطرا من شياطين الجن .

والشاب في الجامعات أصبح يصارع التيارات المختلفة ، ويعاني من ثقافات اليوم ، التي هي سلاح ذو حدين في التوجيه والاهتمام ، مما يعني أنهم في حاجة إلى من يأخذ بأيديهم ، ويعينهم في الفهم ومن ثم إدراك ما ينبغي عمله أمام ذلك السلاح . . الذي إن روعي طرح الحل أمام كل جانب ، بعد فهمه جيدا ، وإدراك أبعاده . . فهذا جانب خير ومفيد ، ولا ننسى الاهتمام بشغل فراغهم ، بما هو مفيد ونافع ، والوقوف إلى جانبهم ، رعاية وتوجيها وتعليما .

هذه الأمور لن تتأتى إلا بجهود مبذولة ، في التوجيه والإعداد ، ومغالبة للنفس في العمل وحسن الإدراك . وجهود أخرى من المراقبة والحيطة ، وتوعية للشباب بصبر وإقناع ، ورغبة منهم في التتبع وتلمس المداخل لذلك الخطر .

وهذا الجانب المهم ، مهما بذل فيه ، فإن له طرقا للإفلات يدركها المتمرسون فيه ، والمدفوعون إلى ترويج ذلك الغزو ، لأي هدف وبأي مصلحة: شخصية أو جماعية ، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبان عن طريق يخرج الشباب من منعطفات ذلك الغزو ، ويعينهم على الصبر والعلاج النافع لهم ، ومن ثم لأمتهم التي لزاما

(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 230)

عليهم الدفاع عنها ، يقول صلى الله عليه وسلم: صحيح مسلم الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2823) ,سنن الترمذي صفة الجنة (2559) ,مسند أحمد بن حنبل (3/284) ,سنن الدارمي الرقاق (2843) . حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات .

فحتى يدرك الشاب منزلة الجنة ، التي هي مطمع لكل مسلم ، حيث ترنو الأفئدة لذلك الفوز العظيم ، فإنه لا بد أن يكره نفسه ، ويفسرها على كثير من الأمور ، حتى ينال تلك السلعة الغالية .

واتباع الشهوات التي يبسطها العدو أمامه ، بأمور بارزة ، وثقافات متعددة ، تثير العواطف ، وتحرك الشهوات التي تورد الشباب موارد الردى إن تخاذل ، وتسلمهم إلى المهالك التي لا تقتصر عليهم ، بل تتعدى إلى الأمة بأسرها ، كما قال الله تعالى: سورة الأنفال الآية 25 وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ .

ودور الراعين لمصلحة الشباب وتوجيههم ، حتى ينفذ كلامهم إلى سويداء قلوبهم ، ومكامن التأثير فيهم ، عندما يتحدثون أمامهم عن نماذج الغزو الفكري ، الموجه للتقريب بضرب المثل المحسوس أمامهم بين طريقين:

أحدهما: في نهايته أشياء محببة للنفس ، ونتائج مفيدة للمجتمع . . والآخر ينتهي بمن سلكه إلى أشياء تكرهها النفس

(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 231)

ونتائج سيئة للأمة بأسرها . فالأول: لمن يرغبه ، يحتاج إلى الصبر والتحمل ، والإعداد بزاد يعين على الوصول بزاد يعين على الوصول إليه: سورة الزمر الآية 10 إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ .

والثاني: لمن يوجه نفسه إليه ، فالوصول إليه بتسليم النفس شهواتها ، ونسيانها من الزاد .

سنن الترمذي صفة القيامة والرقائق والورع (2459) ,سنن ابن ماجه الزهد (4260) . والعاجز من أتبع نفسه هواها ثم تمنى على الله الأماني .

فالأول: الدليل إليه ، توجيه رباني ، وطاعة لله ورسوله .

والثاني: يقود الناس إليه عدو الله الشيطان وأعوانه من شياطين الإنس والجن ، مما يقود إلى عصيان أمر الله ورسوله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت