ثالثا: ولما كان الله سبحانه ، قد جعل للإنسان ، هبة منه سبحانه: السمع والبصر والفؤاد والقلب ، وجميع الأحاسيس التي يدرك بها ما حوله في هذه الحياة ، فإن هذه يكتمل نموها لدى الشباب في مرحلة التحصيل الدراسي بمراحله ، وهي أمكن ساعات العمر عنده: قدرة على الأخذ ، وقدرة على الفهم والتمييز ، وحيوية في العطاء والرد على التحديات الموجهة نحوهم ونحو أمتهم .
وهذا يستلزم عليهم ، وعلى من أنيط به تعليمهم وتوجيههم ، رعاية هذه المواهب ، في بوتقة أفق الإسلام . ونظرته الشمولية ، ليستمد الشباب من ذلك طاقة تعينهم على أن يكونوا مؤثرين لا متأثرين ،
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 222)
وموضحين للأمور البعيدة التي يهدف إليها الإسلام بتعاليمه ، نحو النفس البشرية ؛ لتسعد في حياتها ، وبعد مماتها ، بدل أن يكونوا مدافعين للشبهات الموجهة نحوهم ونحو دينهم .
رابعا: تنمية الأخوة الإسلامية ، بين شباب المسلمين ، من أي لغة ، وبأي موقع علي الأرض ؛ لأن الإسلام لا يفرق بين عجمي وعربي ، إلا بالتقوى: سورة الحجرات الآية 10 إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ، والسعي في إبعاد الحزازات والتفرقة - كجزء من مكائد الأعداء - وبث المحبة والترابط فيما بينهم ، تحقيقا للتوجيهات الكريمة ، في مبادئ هذا الدين ، حتى تصفو النفوس ، وتتشابك الأيدي في صف واحد ، ضد مخططات الأعداء التي يحبون ترويجها بين شباب المسلمين ، حتى يتفرقوا شيعا وأحزابا . . مع الاهتمام بالتشاور والتناصح بين الأخوة المسلمين . يقول صلى الله عليه وسلم: صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2564) ,مسند أحمد بن حنبل (2/311) . المؤمن أخو المؤمن لا يكذبه ولا يظلمه ولا يخذله ، ويقول أيضا: صحيح البخاري الأدب (5719) ,صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2564) ,سنن الترمذي النكاح (1134) ,سنن النسائي النكاح (3239) ,سنن ابن ماجه التجارات (2172) ,مسند أحمد بن حنبل (2/394) ,موطأ مالك الجامع (1684) . لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تناجشوا ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخوانا . وعليهم في هذا أن ينطلقوا في هدفهم ، من دروس الإسلام ، التي وحدت بين بلال الحبشي ، وسلمان الفارسي ،
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 223)
وصهيب الرومي ، وأبي بكر العربي القرشي لراغب الفائدة مراجعة تراجمهم في أسد الغابة لابن الأثير . . وغيرهم من الأجناس الذين رفع الله بحماستهم ودفاعهم ، راية الإسلام في الآفاق .
خامسا: أن يكون الشاب غير مندفع بدون علم ، وأن يكون مستشيرا فيما يريد عمله ممن له تجربة أكثر ، وأمكن علما ، حتى لا يستجره الخصوم إلى مزالق تضر أكثر مما تنفع ، ويتخذها الأعداء ثغرات ينفذون منها لما يريدون ؛ لأن من تكلم بغير علم ، أساء من حيث لا يدري . . والمثل يقول من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب .
والأفضل للشباب في بداية أمره أن يكون مسترشدا وسائلا ، ومستمعا أكثر مما يتكلم ، ليتعلم من السماع ، كيفية التروي ، والفهم الجيد لما يدور من تيارات . . وإدراك طريقة النقاش والنفاذ إلى أعماق الآخرين .
سادسا: أن يكون الشاب في المرحلة الجامعية خاصة وفي غيرها عامة: حسن الخلق ، حليما فيما يأمر أو يناقش فيه ، صبورا فيما ينهى عنه ، وألا يجادل غيره في الشبهات التي تطرح ضد الإسلام ، إلا بالتي أحسن ، حتى يتعود على الأسلوب النافع ، والطريقة المجدية بعد خروجه للحياة العملية ، ومقارعة الآخرين ، مسترشدا بهذه الآيات الكريمة من قول الله تعالى: سورة فصلت الآية 33 وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ سورة فصلت الآية 34 وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ سورة فصلت الآية 35 وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ سورة فصلت الآية 36 وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 224)
وما خفي عليه ، في فعله أو قوله ، يقف عند هذا الأثر الموقوف على ابن مسعود رضي الله عنه:"ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ، وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح".
المرور ببعض الشبهات:
إن ما يتعرض له الشباب ، مما يشوش أفكارهم ، وخاصة في عصرنا هذا ، حيث أشرعت السهام ضد الإسلام ، بأهداف ومسميات شتى ، وفي مقدمتها كلمة الإرهاب ، الذي جعلوه شعارا ضد الإسلام ومبادئه وقيمه ، ومع هذا الشعار وتحت مظلته تكاثرت التيارات المتعارضة ، وتباينت الأغراض المقصودة ، فكانت فتنا يحتار فيها الحليم .
وكثرت الأفكار المتصارعة ، الموجهة نحو شباب الإسلام ، مما أصاب بعضهم بالحيرة ، في هذه النماذج الفكرية ، وكيفية مواجهتها ، وبعضهم انساق بدون روية مدفوعا أو مقلدا ، كما حصل عندما تكاثرت الأفكار في أيام الدولة الأموية ، وما بعدها ، وعندها نبت
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 225)
الأعداء الذين دخلوا الإسلام خداعا ، أو ممن تأثروا بخلفيات الأمم المغلوبة عقيدة وفكرا فنشأت الفتن والفرق ، وظهر شباب أحداث السن ، خاوية عقولهم ، فخرجوا على جماعة المسلمين ، وسموا الخوارج بفكرهم وعدم فهمهم منطلقات الإسلام ، واتباعهم من لا يريدون لوحدة المسلمين ، وعقائدهم خيرا ، فنشأت البداية في تكفير ولاة الأمور والعلماء .
ولذا كان على المهتمين بالأمانة العلمية ، والمتحملين للقيادة والتوجيه ، واجب يحسن بهم أن يأخذوا الحيطة من أجله ، وجهودا يجدر بها أن تبذل ، من أجل حماية الشباب ، وتحصين عقولهم عن تلك الأفكار المسلطة ، وتنقية أفكارهم من تلك التيارات الجارفة . . وإحلال أذهانهم بأفكار إسلامية مكانها ، حتى يتكون لدى الشباب في البيئة الإسلامية - بفضل من الله -: مناعة في التصدي ، وقدرة على فهم ما ينطوي عليه الغزو الفكري الموجه ، ومن مثل هذا تتكون لدى كل شاب القدرة على المجابهة ، ومقارعة الشبهة بحجة واضحة ، بعدما تكتمل الحصيلة ، التي يغترف منها في المجابهة .
وسأدلي بدلو في الميدان ، مسترشدا بالتعليق والإدلاء بما يفيد ويعين ، ومشاركا بالتوضيح والإبانة ، إذ حسبي في هذا التعرض: الحماسة والرغبة في المساهمة ، وطرح الموضوع للإبانة عن أهمية الحاجة إلى حلول مريحة ، تطمئن الأمة على شبابها ، وتعين في حمايتهم
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 226)
من المخاطر المحدقة بهم .
وعندما تعرف مكامن الخطر ومواطن الداء ، يمكن للمختصين التعاون والتشاور في تلمس العلاج ، ووصف الدواء . ذلك أن الواجب التعاون مع الشباب اليوم ، الذين يمرون بعقبات متعددة ، وتحيط بهم مدلهمات خطيرة ، وتكتنفهم تيارات عديدة ، أكثر مما أحاط بشباب الأمس .