ولهذا نظائر كثيرة ، وخاصة الإثارة ضد المملكة العربية السعودية ، التي يرون عز الإسلام في مكانتها ؛ لأن أفئدة المسلمين ترنو إليها ، ويتخيلون أن الإضرار بها إضعاف لمكانة الإسلام ، ولكن الله سبحانه حافظ دينه ، ومهيئ له قيادة مخلصة ترعاه وتحافظ على مثله ، وهذا آخر سهم يرمون به ، وسيبطل الله كيدهم ، وينصر دينه وحماته ، يقول سبحانه: سورة غافر الآية 51 إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ، ويقول جل وعلا:
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 211)
سورة الروم الآية 47 فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ، فنصر الله حق ثابت ، لأهل الإيمان الصادقين في إيمانهم عقيدة وعملا . فإن اعتبروا مثل هذه الأقوال والأفكار لا تصدر إلا عن السفهاء ، وليست جادة ، وما أكثر ما نجد مثلها في أفكارهم وسريات مؤتمراتهم ، فإن المثل العربي عندنا يقول: خذوا علوم القوم من سفهائهم ، ويقول سبحانه: سورة النساء الآية 89 وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ، والشاعر العربي يقول في حكمته:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
ويجب أن ترسخ عند الشباب ، خاصة هذه النفثات ، على أنها أفكار جادة ؛ لتؤخذ الأهبة ، ويعد السلاح الفكري والمادي لذلك .
ونحن المسلمين سلاحنا الروحي أمكن من السلاح المادي ، وإن كنا معه مأمورون بإعداد القوة للعدو بصنوفها ، وفي المقدمة سلاح العقيدة والدين ، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ، ومتى ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله .
ألم يقل الله سبحانه عن أهل الكتاب والأعداء: سورة التوبة الآية 8 لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ .
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 212)
حسن التوجيه:
الحوار الفكري والجدال في الشبهات ، التي يطرحها أهل الكتاب قديمة ، بدأت مع ظهور الرسالة في مكة المكرمة ، ثم بعدما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، واستمرت إلى الآن ، وستبقى لكن الشبهات تتجدد في المظهر أما المغزى فثابت .
واليوم نجد الشباب في حاجة لتمكين دور شريعة الإسلام ، في بناء الشخصية وأثر العبادات ، وتعاليم الإسلام في استقامة النفس البشرية ، وتعديل اعوجاجها ، وتوفير المسببات لتربية الروح ومدها بالغذاء الذي يجعلها مستقيمة في نفسها ، ونافعة لغيرها ، وصالحة ومصلحة لمجتمعها .
فالنص الشرعي من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يضع قاعدة في بناء الأمة وإصلاحها ، إذ يقول عليه الصلاة والسلام: صحيح البخاري في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس (2278) ,صحيح مسلم الإمارة (1829) ,سنن الترمذي الجهاد (1705) ,سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (2928) ,مسند أحمد بن حنبل (2/121) . كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، ثم بين هذه الرعاية من القمة ، فيمن يتولى قيادة في مجتمعه ، أو عشيرته عند من استرعاهم الله: من الأبوين اللذين تفتحت عيون الأبناء في أحضانهما منذ ولدوا ؛ ليأخذوا عنهما الدروس الأولى ، في مبدأ الإدراك والفهم ،
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 213)
ويتأثروا بهما: تقليدا وتوجيها كما مر بنا . حيث يمتد الأثر مع الاخوة الأكبر فالأكبر ، ومن الأقارب ليأتي دور آخر ، يأخذ فيه الشباب العلم والقدوة من المعلمين في المدرسة حسب مراحل التعليم ، ليصل إلى الجامعة ، وقد نما عقل الشاب ، وكبر اهتمامه بما يدور حوله . . فإن كان التقويم وحسن التوجيه في هذه المراحل صالحا ومفيدا ، سهل تحصين الشباب وخاصة في الجامعات ضد الغزو الفكري ، وأصبح لديهم قدرة في التصدي للتيارات الموجهة إليهم ، كل حالة بما يلائمها . وخاصة في هذا الزمان الذي أجفل الغرب والشرق بخيله ورجله ، على أمة الإسلام بغزو متعدد القنوات:
إعلاميا بقنواته الثلاث: المسموع والمقروء والمرئي . . وأخطر ما في ذلك القنوات الفضائية ، والإنترنت ، وغيرها بما تبثه من غث يراد به الإلهاء ، وإفساد الأخلاق ، وما تطرحه من شبهات وأكاذيب وسموم تبلبل الأفكار ، وتدغدغ المشاعر ، ويتعمدون أخذ التعليق على ما يوجهون ، ممن لا قاعدة علمية أو فكرية من أبناء المسلمين لديه حتى تكبر هوة الفكر .
ويسير ذلك أخصائيون متمرسون كما قلنا: في علم النفس ، وعلم الاجتماع وفي الجدل بحيلهم ، ونظرياتهم البعيدة عن منهج دين الإسلام ، وتعاليمه التي يجب على الشاب المسلم - قبل غيره - الحرص عليها وتنميتها في نفسه وفيمن حوله .
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 214)
وماديا: بما يسخرون من وسائل ، وما يغدقون من مال ، وما يشجعون من بحوث ، في سبيل ما يدعون إليه ، وما يرجون الوصول نحوه: رصدا وتخطيطا ، ومتابعة وتنفيذا . . يتبع ذلك الدراسة واستظهار النتائج . وإذا كانت الوقاية الصحية ، والمحافظة علي البيئة ، تقتضي اليقظة والمتابعة ، مع الحرص والاهتمام بالتنفيذ ، إلى العناية بالسبل والمبادرة في تحصين المجتمع بفئاته: عن كل مرض يطرأ ، وفي كل وقت قبل بروز الظاهرة ، حتى يتهيأ - بتوفيق من الله - للأجسام حصانة من الأمراض ، وللمجتمع وقاية عن الأعراض ، التي يخشى منها الضرر ، وللبيئة سلامة عن الأوبئة التي تؤثر في المصالح .
هذه الوقاية المطلوبة ، يرصدون لها أموالا ، ويبذلون لها جهدا ، وتحظى بمتابعة ودراسات وتخطيط . .
إذا كان ذلك لازما في الآفات والظواهر التي تمس الفرد في بدنه ، والبيئة في محاصيلها ، من أجل حماية المجتمع والمحافظة على سلامة أبناء الأمة - والحامي والحافظ هو الله سبحانه - ، ولكن هذه الاحتياطات من الأسباب التي أمر الله بها ، ووجب الأخذ بها ؛ لأن الله جل وعلا قد جعل لكل شيء سببا ، يقول سبحانه: سورة الكهف الآية 84 إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا .
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 215)
فإن الشباب في مراحل دراستهم ونمو حياتهم ، كالنبتة عند الفلاح في مراحل نموها ، في حاجة إلى حماية عقولهم من كل فكر وافد ، وتحصين أفئدتهم عن تقبل السموم التي أفسدت تلك المجتمعات ، البعيدة عن الإسلام وتعاليمه ، فجاءوا ليوجهوها للمجتمع الإسلامي ، بوسائلهم المختلفة ، ليفسدوا شباب المسلمين ، بما يوجهون لهم من فكر سيئ ، وشبهات يغتر بها قليلو الإدراك ، سواء عاشوا في بيئاتهم ، أو كانوا في مجتمعاتهم لم يحتكوا بهم ، فأرادوا غزوهم في قعر دارهم ، كما أخبر الله سبحانه من قبل ، بقوله الكريم: سورة البقرة الآية 109 وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا .
وما ذلك إلا أن الشباب ، سيتحملون عن قريب مسئولية كبيرة في مجتماعتهم: تعليما وتربية وأمرا ونهيا ، وتصريف أمور الأمة أخذا وعطاء وتوجيها وتخطيطا .
فإن تأثروا بهم ضمن الأعداء نفاذهم بواسطتهم إلى المجتمع الإسلامي ، وإدخال ما يريدون شيئا فشيئا ، أما إذا أدركوا ما يريده العدو وحافظوا على دينهم ، ورعاية أمتهم على ضوء منهج شرع الله ، كان ذلك خسارة لهم ، وبطلانا لمخططاتهم .
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 216)