الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الأمين وبعد: فإنه من البدهيات التي لا يتمارى فيها العارفون أن الكفار - وبالأخص أهل الكتاب - لا يألون جهدًا في التأثير على المسلمين في عقيدتهم وسلوكهم ويودون لو يكفرون مثلهم، أو يرتدون عن دينهم ( الإسلام ) على الأقل. لذلك كانوا - دائمًا وأبدًا - على طول التاريخ الإسلامي لا يتركون وسيلة تخدم غرضهم هذا إلا سلكوها، أحيانًا بالوسائل الخفية وهذا هو الغالب حين تكون الأمة الإسلامية قوية مهيبة مهيمنة وأحيانًا بالوسائل المعلنة والخفية عندما يكون الكفار في مركز أقوى وهذا هو ما حصل في العصور المتأخرة حين قويت الدول الغربية، وضعف المسلمون وركنوا إلى الذل والخمول، وإلى التمسح بالقبور والمشاهد والأضرحة وتقديس الأموات والأحياء والتوكل عليهم من دون الله. وإنه لمن أخطر وأشد الوسائل التي سلكها الغربيون للكيد للمسلمين - أخطبوط الغزو الفكري الرهيب، وهو غزو مركز هادف، ومدروس ومنظم، تعاونت فيه قوى تملك إمكانيات مادية ومعنوية وبشرية هائلة تبدأ بالاستشراق ثم الابتعاث، فالتبشير والاحتلال، والإعلام، ثم المؤسسات والمنظمات المتخصصة لهذا المجال، كالماسونية والصهيونية وما شاكلهما. تاريخ الغزو الفكري الحديث: أشرت آنفًا إلى أن كيد الكفار للإسلام والمسلمين مستمر وهو سنة من سنن الله في الحياة، لكنه يتغير في أشكاله ووسائله وأساليبه بمتغيرات الحياة وإمكانات البشر. لذلك تجد له في العصر الحديث طابعًا مميزًا يختلف في شكله ووسائله عن أسلوبه في القرون الإسلامية الأولى، والسبب في ذلك أن فترة الركود الفكري التي خيمت على العالم الإسلامي والتي تزيد على خمسة قرون مضت، تعتبر فاصلًا زمنيًا بين تخلف الأمة والحضارة الإسلامية عن قيادة البشرية، وظهور الحضارة لجاهلية الغربية وتسلمها لهذه القيادة فإن المسلمين خلال هذه القرون، وإن كانوا قد تفوقوا عسكريًا في ظل الدولة العثمانية، حتى نهاية القرن الثاني عشر الهجري، إلا أنهم كانوا يتقهقرون عقائديًا وعلميًا وفكريًا لأسباب ربما يكون أهمها: 1- كثرة البدع والخرافات وانتشار الطرق الصوفية الفاسدة وتعلق عامة المسلمين بالقبور وتقديس الأموات والأحياء، ومن ثم ضعف الصلة بالله تعالى والبعد عن السنن الثابتة. 2- دعوى بعض الفقهاء المتأخرين بإغلاق باب الاجتهاد في الوقت الذي كانت فيه الدولة العثمانية أحوج ما تكون إلى تبني واستيعاب التقدم العلمي حيث كان الغرب قد بدأ من حيث انتهت الحضارة الإسلامية في الأندلس وبدأت النهضة العلمية والفكرية في الغرب تسير سيرًا حثيثًا على أيدي خريجي الجامعات الإسلامية من أبناء الغرب - البعثات الغربية إلى المدارس الإسلامية - وهم كثيرون ( ) : وقد كانوا طلائع الغربيين على الحياة والحضارة الإسلامية. وما تلا ذلك من دراسة العلوم الإسلامية والاستفادة منها من قبل الغربيين، تلك الاستفادة التي بدأت تظهر ثمارها في الغرب بعد قيام الخلافة العثمانية وحين هم المسلمون - في القرنين الأخيرين بأن يفيقوا، وجدوا الغرب قد سبقهم في مضمار العلم، والتقدم المدني والصناعي سبقًا بعيدًا، فأصيبوا بصدمة الانبهار، وعقدة الشعور بالنقص، فضعفت عندهم المناعة والمقاومة أمام الاحتلال والغزو الفكري. ومع الغزو الفكري، الذي جاء من الغرب ن عبر الاحتلال ن والتبشير وفي أحضانه - نشأت الاتجاهات العلمانية الحديثة في العالم الإسلامي امتدادًا للاتجاه المادي الحديث في الغرب وهذا الغزو يتمثل في حركات التبشير والاستشراق والاحتلال أولًا. ثم في البعثات واستيراد الأنظمة الغربية من قبل المسلمين أنفسهم ثانيًا. لذلك سأعرض بإيجاز لتاريخ هذه الحركات كلها إن شاء الله: أ - تاريخ الاتجاه العقلي في الغرب ( ) : لقد ظل التدين النصراني (الكنسي المحرف) هو السائد في الغرب، ونصوصه هي المتحكمة في حياة الناس ومصائرهم ن وظل الأمر كذلك طيلة القرون السبعة عشر الميلادية، بالرغم من الآراء التحررية، التي أعلنها بعض المفكرين وطلاب البعثات الغربية، الذين درسوا في المدارس والجامعات الإسلامية، في الأندلس والمغرب، والذين اتصلوا ( عبر الحروب الصليبية ) بالشرق الإسلامي، وبالرغم من ظهور تلك الموجة التحررية من أمثال لوثر ( 1438م - 1546 ) ، وكالفن ( 1509 - 1564م ) .. حيث كانت لآراء هذين وأمثالهما أكبر الأثر في تحرر الغرب من سلطات الكنيسة المتحكمة، وعصابات ما يسمى (برجال الدين) هناك، ومع ذلك بقي سلطان الكنيسة هو الأقوى، يُحرق ويشرد ويقتل المفكرين، وفي القرن الثامن عشر بدأ سلطانها يتقهقر بتقدم العلم وتنور العقول، وظهر الاتجاه إلى سيادة العقل أو ما يسمى ( بالتنوير ) والتحرر من تعاليم الكنيسة المتحجرة ( ) وتحكيم العقل، وإطلاقه من إساره، لينظر ويبدع، ويستنبط ويمارس الحياة ويفكر في ملكوت السماوات والأرض ما استطاع، وكان هذا الاتجاه الذي تأثرت به أوربا أثناء اتصالها بالمسلمين، يعتبر بحق أساس التقدم العلمي الباهر الذي وصل إليه الغرب الآن. ومع هذه الحركة العقلية حدثت ردة الفعل ضد الدين - كل دين - عنيفة بسبب موقف تعاليم الكنيسة الباطلة، فحدث هذا الانفصام المزعوم بين الدين والعلم، فقامت هذه الحضارة الغربية على المادية البحتة والعلمانية والإلحاد، فكان من جراء ذلك أن أصيبت البشرية بالخواء الروحي الذي لا يقل خطرًا على مصير الإنسانية من تعنت الكنيسة من قبل، فاتجه العلم والتقدم إلى تهديد البشرية بالدمار وكلما زاد التقدم العلمي في الغرب زادت الفجوة بين الدين والحياة الواقعية، وبين المادة والروح، فأنشأ هذا الفصام أجيالًا حائرة قلقة، لا تعرف للفضيلة قيمة ولا للسعادة معنى، تحمل حتفها بعلمها وتقدمها، فاعتنقت مذاهب نكدة فاسدة تعذبت بها أيما عذاب . كالشيوعية والفوضوية ( ) ، والوجودية، وكثرت النظريات الهدامة وحركات الهيبز والإباحية، وجاءت هذه التيارات المتناقضة كلها إلى العالم الإسلامي وساهمت في نشأة الاتجاهات والمذاهب الهدامة وأبرزها العلمانية بين المسلمين. هذا وكان لليهود والمنظمات والمؤسسات التي تخدمهم أكبر الأثر في توجيه هذه التيارات لإفساد الأديان والأخلاق. ب- الدراسات الاستشراقية: عندما نبحث تاريخ الاستشراق، نجد أنه مر بمرحلتين أولاهما - ولا تهمنا كثيرًا في مثل هذا البحث - مرحلة سلبية بالنسبة للغربيين، وهي مرحلة النقل والتلمذة على المسلمين، حين كانت أوربا ترسل بعثاتها العلمية للاستفادة من الحضارة الإسلامية، المزدهرة في الأندلس والمغرب ومصر والشام، وسائر بلاد المسلمين، وهذه المرحلة مبكرة جدًا، ولم يكن فيها المستشرقون إلا مجرد نقلة وعالة على المسلمين، وما كانت دوافعهم إلا إفادة قومهم وبلادهم في الغالب، وهذه الحركة الاستشراقية الأولى هي التي بدأت منها بذور التنور الفكري والعلمي في أوربا فيما بعد، كما ذكرت آنفًا. وهذه المرحلة كانت قبل الحروب الصليبية وقبل سقوط الأندلس الإسلامية. أما المرحلة الثانية من مراحل الاستشراق: فهي مرحلة هادفة من قبل الغربيين وهي مرحلة دراسة الإسلام أولًا - وهو المهم - عقيدة وشريعة وتاريخًا، ودراسة سائر أحوال الشرق وأديانه وعلومه وتاريخه . والذي يهمنا هو الجانب الإسلامي في هذه الدراسات. وهذه المرحلة تبدأ مع نهاية الحروب الصليبية وأفول الحضارة الإسلامية في الأندلس مع نهاية القرن الخامس عشر الميلادي ( ) ، حيث بدأت دراسة الإسلام وتاريخه، بأسلوب لا يخلو من العصبية، من